تجاوزت قضايا الهوية إطارها الثقافي التقليدي ولم تعد شأنا يتعلق بالتعدد أو بحماية الخصوصيات أو حتى بتحسين التمثيل السياسي، وإنما أصبحت في حالات كثيرة قضايا أمنية وجيوسياسية تُستعمل لإضعاف التماسك الداخلي للدول وتُوظف للضغط الخارجي وتُستدعى في مشاريع إعادة رسم الخرائط.
نزوع انفصالي يتجاوز المطالب الثقافية:
تتجه وحدات ثقافية في العالم العربي نحو الانفصال عن السلطة المركزية أو عن الدولة الأم و اتخذت في السنة المنصرمة طابعا انفصاليا صريحا كما في السويداء في سوريا لدى بعض الاتجاهات الدرزية وفي حركة الحكم الذاتي بمنطقة القبائل في الجزائر المعروفة بالماك وفي المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن وفي دارفور في السودان تحت سيطرة الدعم السريع إضافة إلى إقليم أرض الصومال.
الحقوق الثقافية بين المشروعية والتوظيف:
لا يحمل كل خطاب هوياتي بالضرورة نزوعا انفصاليا إذ يقر التوجه العالمي بالحقوق الثقافية للجماعات باسم الحق في الاختلاف والتعددية. وبدواعي الكرامة والاعتراف أو ما يسميه الفيلسوف الكندي شارل تايلور بسياسة الاعتراف كما تهدف هذه المطالب أحيانا إلى حماية لغات مهددة بالاندثار أو رد الاعتبار لجماعات تعرضت للتهميش أو التبخيس أو لما يوصف بندوب الاحتقار أو الطمس.
غياب الاعتراف مدخل للتدخل الخارجي:
لا يفضي إنكار الخصوصيات إلى حل الإشكالات بل يعمقها ويمنح مبررات لأطراف خارجية للتدخل فالاعتراف بالحقوق الثقافية شرط ضروري للاحتواء لكنه يظل غير كاف بمفرده إذ يتغذى النزوع الانفصالي على تلاقي المظلومية الداخلية مع التدخل الأجنبي.
التدخل الأجنبي محرك الانزياح الانفصالي:
لا يحدث الانتقال من مطالب ثقافية مشروعة إلى أن يتم عبر تدخل خارجي منظم تتحول فيه قضايا الهوية إلى حصان طروادة تتسلل من خلاله قوى أجنبية متذرعة بمبادئ نبيلة لكنها تستهدف تقويض وحدة الدول وإضعاف سيادتها.
بين القلق الهوياتي والانفلات الهوياتي:
يشكل التعدد الثقافي حقيقة موضوعية في دول الجنوب عرقية كانت أو دينية أو لغوية كما هو واقع بفعل الهجرة في دول الشمال ورغم غياب انفصالات جغرافية في هذه الدول إلا أنها تعيش ظواهر موازية مثل النزعة الانفصالية عن قيم الجمهورية في فرنسا أو الانسلاخ في الولايات المتحدة تعيش مجتمعات الشمال قلقا هوياتيا بينما تواجه دول الجنوب انفلاتا هوياتيا.
الاعتراف كحصانة ضد التفكك
يشكل الاعتراف بالخصوصيات أبرز حصانة ضد الانفلات الهوياتي شريطة أن يقوم على واقع موضوعي سواء تعلق بخصوصية عقدية أو عرقية أو لسانية أو بحيز جغرافي محدد أو بتحولات ديمغرافية وجيوسياسية إذ لا يؤدي إنكار هذه الخصوصيات إلا إلى تعقيد الأزمات وفتح الباب أمام التدويل.
إدارة التنوع ورهان الاستباق:
تعرف كل الدول تنوعا ثقافيا بنسب متفاوتة ويكمن الرهان في حسن تدبير هذا التنوع عبر موازنة دقيقة بين الحقوق الثقافية والمواطنة ولا يقتصر الأمر على المعالجة الآنية بل يتطلب رؤية استباقية تضطلع بها الجامعات ومراكز البحث لفهم التحولات الاجتماعية واستشراف المخاطر.
المليشيات ونقض مفهوم الدولة:
تعتمد القوى الأجنبية في تدخلها على معرفة أكاديمية وصناعة نخب. عبر الإعلام والدعم المالي وأحيانا العسكري وتزداد الخطورة حين تتوفر الجماعات الهوياتية على مليشيات مسلحة. في تناقض صريح مع مفهوم الدولة التي تحتكر وحدها العنف المنظم. وفق تعبير ماكس فيبر.
من الثقافة إلى تهديد الكيان
لم تعد قضايا الهوية مجرد شؤون ثقافية ولا حتى سياسية مرتبطة بالتمثيل فهي تحولت إلى قضايا أمنية تهدد سبيكة الدول. عبر الانزياح نحو الانفصال أو المليشيات أو الحروب الأهلية.
هويات متفاعلة لا متناحرة
لا يكمن الرهان في التضحية في إيجاد صيغة تعترف بحقوقها دون المساس برابطة المواطنة. فالمواطنة منظومة تقوم على العدالة الاجتماعية والعدالة المجالية والتوزيع العادل للرموز. وحسن التمثيل داخل مؤسسات الدولة بما فيها السيادية. إضافة إلى مدرسة تشكل مصعدا اجتماعيا لا أداة لإعادة إنتاج الفوارق.
نحو مصير مشترك:
ينبغي تجاوز سردية الهويات المتناحرة وحتى خطاب العيش المشترك نحو هويات متفاعلة ومصير مشترك. فالدعوة إلى العيش المشترك في منطقتنا ليست بريئة. بل قد تعكس دعوة ضمنية إلى الانكفاء بدل الاندماج في مشروع وطني جامع.