تتجه الأنظار الأوروبية مجددًا نحو جزيرة غرينلاند، بعد تصاعد الحديث داخل الأوساط السياسية الأميركية عن إمكانية استيلاء الولايات المتحدة عليها، في خطوة أثارت قلقًا واسعًا في العواصم الأوروبية، ودفعت دول الاتحاد إلى البحث في خيارات الرد والتعامل مع سيناريو غير مسبوق في العلاقات عبر الأطلسي.
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو أكد أن بلاده تعمل بالتنسيق مع شركائها الأوروبيين على إعداد خطة تحسبًا لأي تحرك أميركي أحادي، مشيرًا إلى أن الملف بات مطروحًا للنقاش الجدي بين وزراء خارجية فرنسا وألمانيا وبولندا، في ظل ما وصفه بـ”التطورات المقلقة” المرتبطة بمستقبل الجزيرة.
ويأتي هذا الحراك الأوروبي في أعقاب تصريحات أميركية متتالية ألمحت إلى أن الإدارة الأميركية تدرس خيارات متعددة للتعامل مع غرينلاند، من بينها سيناريوهات تتجاوز الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية، وصولًا إلى استخدام القوة، وهو ما اعتبرته دول أوروبية تهديدًا مباشرًا لمبادئ السيادة وحرمة الحدود.
في المقابل، شددت دول شمال أوروبا، في بيان مشترك، على أن القضايا المتعلقة بغرينلاند تندرج حصريًا ضمن صلاحيات الدانمارك وسكان الجزيرة أنفسهم، مؤكدين أن أمن منطقة القطب الشمالي يجب أن يستند إلى احترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، لا إلى منطق فرض الأمر الواقع.
كما أعلنت مجموعة من الدول الأوروبية الكبرى دعمها الصريح للدانمارك، في رسالة سياسية واضحة تهدف إلى تحصين الموقف الأوروبي في مواجهة الضغوط الأميركية، إلا أن هذا الدعم ظل في الإطار السياسي والرمزي، دون الإعلان عن خطوات عملية رادعة.
وتتمتع غرينلاند، وهي أكبر جزيرة في العالم، بحكم ذاتي ضمن السيادة الدانماركية، وتقع في موقع استراتيجي بالغ الحساسية في القطب الشمالي، الذي تتزايد أهميته مع ذوبان الجليد وفتح ممرات تجارية جديدة، إضافة إلى التنافس الدولي على الموارد الطبيعية والمواقع العسكرية.
الجدل لم يقتصر على الدوائر السياسية، بل امتد إلى الصحافة الأوروبية، التي تناولت الأزمة باعتبارها مؤشرًا على تحوّل أعمق في العلاقة مع الولايات المتحدة. فقد رأت تحليلات سياسية أن واشنطن لم تعد تتعامل مع أوروبا بوصفها شريكًا استراتيجيًا ثابتًا، بل كقوة منافسة تسعى للحد من نفوذها التنظيمي والاقتصادي.
في هذا السياق، برزت قراءات تعتبر أن غرينلاند أصبحت رمزًا لصراع أوسع على النفوذ العالمي، حيث تتقاطع مصالح الولايات المتحدة وروسيا والصين في القطب الشمالي، بينما تجد أوروبا نفسها الطرف الأضعف عسكريًا والأقل استعدادًا لمواجهة سيناريو تصعيد مع حليفها التاريخي.
ويرى محللون أن التهديدات الأميركية، حتى وإن لم تُترجم إلى عمل عسكري مباشر، تمثل ضغطًا سياسيًا عالي السقف يهدف إلى توسيع النفوذ الأميركي في الجزيرة، سواء عبر ترتيبات دفاعية جديدة، أو عبر التأثير على مستقبلها السياسي والاقتصادي.
في المقابل، يواجه الاتحاد الأوروبي معضلة حقيقية، إذ لا يملك أدوات ردع فعالة في حال قررت واشنطن تجاوز الخطوط الحمراء، خاصة أن أي مواجهة مباشرة ستضع حلف شمال الأطلسي أمام أخطر اختبار في تاريخه، وقد تفرغ مفهوم الدفاع المشترك من مضمونه.
وتشير تقديرات أوروبية إلى أن أقصى ما يمكن فعله حاليًا هو تعزيز الحضور السياسي والدبلوماسي في غرينلاند، وتكثيف التنسيق مع الدانمارك، إضافة إلى خطوات رمزية مثل زيارات رسمية أو فتح بعثات دبلوماسية، في محاولة لإرسال إشارات سيادية دون الانجرار إلى مواجهة مفتوحة.
في المحصلة، تكشف أزمة غرينلاند عن هشاشة التوازنات داخل المعسكر الغربي، وتعيد طرح أسئلة جوهرية حول استقلالية القرار الأوروبي، وقدرته على حماية مصالحه الاستراتيجية في مواجهة حليف يزداد اندفاعًا نحو سياسات أحادية. وبينما تؤكد أوروبا تمسكها بالقانون الدولي، يبدو أن مستقبل الجزيرة بات جزءًا من صراع نفوذ أكبر قد يعيد رسم ملامح العلاقات في القطب الشمالي وحلف الناتو معًا.