تشهد مدينة حلب خلال الساعات الأخيرة تصعيداً ميدانياً وأمنياً غير مسبوق، تمثل في اشتداد الاشتباكات، تحركات عسكرية واسعة، إجراءات أمنية استثنائية، ونزوح جماعي للمدنيين، وسط تحذيرات من تحول حيي الشيخ مقصود والأشرفية إلى منطقة عسكرية مغلقة.
استعداد لعملية عسكرية محدودة في حلب
أفاد مصدر حكومي أن الجيش السوري يستعد لبدء عملية عسكرية محدودة في مدينة حلب، رداً على ما وصفه بالهجمات المتواصلة التي تنفذها قوات سوريا الديمقراطية (قسد). وأوضح أن العملية ستُنفذ وفقاً للقانون الدولي، مع اتخاذ إجراءات لإجلاء المدنيين، وحصر الاستهداف بالمجموعات المسلحة فقط.
وأشار المصدر إلى أن قرار العملية جاء بناءً على قرار محلي ومطالب شعبية من أهالي حلب، وأن هدفها يتمثل في وقف القصف والقنص وهجمات الطائرات المسيّرة، وإعادة الأمن والاستقرار إلى المدينة.
ووفق المعطيات الحكومية، أدت هجمات "قسد" خلال الشهر الماضي إلى مقتل أكثر من 20 مدنياً وإصابة أكثر من 150 آخرين، إضافة إلى مقتل أكثر من 25 جندياً من الجيش السوري.
اشتباكات وقصف مكثف شمالي المدينة
ميدانياً، شهد محيط حيي الأشرفية والشيخ مقصود اشتداداً كبيراً في وتيرة الاشتباكات والقصف، بالتزامن مع دخول حظر التجوال حيز التنفيذ. وسقط ما لا يقل عن 10 قذائف قرب حي الأشرفية، مع تصاعد القصف والاشتباكات على محاور القتال شمالي حلب.
وتركزت الاشتباكات بشكل أساسي في طريق الكاستيلو ودوار الليرمون، في حين أكدت المعطيات الميدانية أن الاشتباكات ما تزال بعيدة عن معابر خروج المدنيين من الحيين، وأن الجيش السوري ينفذ عمليات اشتباك انطلاقاً من نقاط التماس.
حظر تجوال ونزوح واسع للسكان
دخل حظر التجوال في حيي الشيخ مقصود والأشرفية حيز التنفيذ، بعد أن سبقه خروج واسع للأهالي باتجاه حي السريان، عقب تجدد القصف على الأحياء السكنية واندلاع اشتباكات مع الجيش السوري.
وفي هذا السياق، تواجه فرق الدفاع المدني والهلال الأحمر العربي السوري ضغوطاً كبيرة لتلبية احتياجات النازحين، في ظل أزمة مرورية خانقة عند معبر شارع الزهور، نتيجة خروج العائلات دفعة واحدة، مع اقتراب انتهاء المهلة التي منحها الجيش السوري للحيين، قبل اعتبارهما منطقة عسكرية مغلقة عند الساعة الثالثة عصراً بالتوقيت المحلي.
تقييمات أمنية: الساعات المقبلة حاسمة
أكد الخبير الأمني والإستراتيجي العقيد ضياء قدور أن مدينة حلب تقف أمام ساعات حاسمة لتحديد مصير حيي الشيخ مقصود والأشرفية. وأوضح أن التحرك العسكري السوري جاء رداً على استغلال هذه المناطق من قبل مجموعات مسلحة خارجة عن القانون لضرب استقرار المدينة واستهداف بنيتها التحتية.
وأشار إلى أن هذه المجموعات تعمل بمعزل عن قيادات "قسد"، وتسعى إلى تقويض اتفاق العاشر من مارس. وشدد على أن الأولوية حالياً هي الضغط السياسي والميداني لدفع تلك المجموعات نحو الاستسلام وتجنيب المدنيين ويلات الصراع، مع التأكيد على أن خيار الحسم العسكري يبقى قائماً وضرورياً في حال استمرار التعنت المسلح، لضمان أمن العاصمة الاقتصادية لسوريا.
مواقف رسمية: تحميل "قسد" مسؤولية التصعيد
أعلنت مديرية الإعلام في حلب أن "قسد" مارست سلوك المليشيات بحق المدنيين في حيي الشيخ مقصود والأشرفية وبقية الأحياء، مؤكدة أن الجيش السوري يتعامل حتى الآن وفق مبدأ الرد على مصادر النيران فقط.
وأوضحت المديرية أن عشرات الآلاف من المدنيين غادروا مناطق التماس ووصلوا إلى أماكن آمنة، مشيرة إلى أن الدولة تصرفت بمنطق المسؤولية لحماية المدنيين، وأن الحكومة تسعى إلى منع وجود أي مجموعات مسلحة خارج إطار الدولة السورية.
وأكدت أن على الدولة واجب تخليص مدينة حلب من المجموعات المسلحة، داعية قوات "قسد" إلى إفساح المجال أمام الدولة لتأمين حيي الشيخ مقصود والأشرفية.
من جهتها، حمّلت هيئة العمليات في الجيش السوري قوات "قسد" مسؤولية التصعيد الكبير في أحياء حلب، وارتكاب مجازر بحق المدنيين.
تداعيات على حركة الطيران والنقل
على الصعيد الخدمي، أعلنت الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي السورية تعليق الرحلات الجوية من وإلى مطار حلب الدولي لمدة 24 ساعة، على خلفية استهداف الأحياء السكنية في المدينة.
وأظهرت بيانات ملاحية أن جميع الرحلات المتأخرة أو الملغاة خلال هذه الفترة تعود لشركة الملكية الأردنية، في حين تقرر تحويل الرحلات المجدولة إلى مطار دمشق الدولي إلى حين استكمال التقييمات الفنية والأمنية.
كما أعلنت محافظة حلب عن استنفار حافلات النقل الداخلي لنقل النازحين وتأمين حركة آمنة للمواطنين.
موقف "قسد" والعمليات الإغاثية
في المقابل، اعتبرت قوات سوريا الديمقراطية أن الانتشار العسكري الحكومي في محيط حيي الشيخ مقصود والأشرفية، والذي شمل 80 آلية عسكرية، مؤشر خطير ينذر بتصعيد واحتمال اندلاع حرب كبيرة.
وادعت أن القوات الحكومية تواصل قصف الحيين بالدبابات والطائرات المسيّرة.
بالتوازي، تواصل كوادر الدفاع المدني السوري والهلال الأحمر العربي السوري تنفيذ عمليات إغاثة للأهالي المغادرين من الحيين، في ظل التصعيد الكبير.