شهدت الساحة اللبنانية في الأيام الأخيرة تطورات لافتة أعادت ملف وجود فلول النظام السوري المخلوع إلى الواجهة، مع تصاعد التحركات الأمنية والضغوط السياسية والدينية المطالِبة بمعالجة هذا الملف بشكل جذري، في ظل اتهامات بتوفير غطاء حزبي وأمني لعناصر مرتبطة بالنظام السابق.
وفي هذا السياق، نفّذ الجيش اللبناني، يوم الإثنين، مداهمات أمنية استهدفت مخيماً في منطقة الهرمل يُعرف باسم “مخيم الإمام علي”، الذي يؤوي أشخاصاً من فلول نظام الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد. وذكرت قناة “الجديد” أن وحدات من الجيش دخلت المخيم الذي يُقدَّم رسمياً على أنه مخصص لإيواء “لاجئين سوريين”.
وبحسب ما أورده موقع “جنوبية”، يقع المخيم عند المدخل الشرقي لمدينة الهرمل، بالقرب من المستشفى الحكومي، وقد جرى افتتاحه رسمياً في 14 كانون الأول الماضي. ويضم المجمع نحو 228 وحدة سكنية، ويقيم فيه أكثر من 200 عائلة، معظمها من السوريين العلويين الذين نزحوا خلال السنة الماضية من مناطق حمص والساحل السوري.
ويقول القائمون على المخيم، وفق ما ينقله الموقع، إن المقيمين فيه هم من عائلات قتلى ونازحين فرّوا بعد أحداث الساحل السوري التي اندلعت في مطلع آذار/مارس 2025، وشملت مناطق ريف اللاذقية وجبلة وبانياس وعدداً من المناطق الساحلية الأخرى. إلا أن تقارير إعلامية لبنانية تذهب أبعد من ذلك، معتبرة أن المخيم يتحول تدريجياً إلى بنية جاهزة للاستخدام السياسي والأمني.
وتشير هذه التقارير إلى وجود شخصيات بارزة من أركان النظام السوري السابق داخل المخيم أو في محيطه، من بينهم ضباط ومسؤولون سابقون، مثل جميل الحسن وخالد أيوب ومعضاد حسيني وآصف أنيس، إضافة إلى مضر شوكت نجل بشرى الأسد، وأفراد من عائلة علي مملوك، الرئيس السابق لمكتب الأمن القومي السوري. وتُعد هذه المعطيات، إن صحت، مؤشراً خطيراً على طبيعة الدور الذي قد يؤديه المخيم خارج إطار العمل الإنساني.
بالتوازي مع هذه التطورات، تصاعدت في لبنان دعوات رسمية ودينية وسياسية لملاحقة فلول النظام المخلوع الموجودين على الأراضي اللبنانية. فقد طالبت دار الفتوى في راشيا، قبل يومين، الدولة اللبنانية بالتحرك الفوري والسريع لملاحقة هؤلاء واعتقالهم وإعادتهم إلى سوريا لمحاكمتهم. وأكدت في بيان لها أنها حذّرت منذ أشهر من “وجود كبير لفلول النظام المخلوع في لبنان، ولا سيما في مناطق البقاع والشمال، إضافة إلى بيروت وضواحيها”، معتبرة أن هذا الوجود يتم “بحماية أمنية حزبية وتحت تعمية رسمية”.
كما دخل الملف على خط السجال السياسي، إذ كتب عضو كتلة “اللقاء الديمقراطي” النائب بلال عبدالله على منصة “إكس” أن بعض أركان وضباط وشبيحة النظام السوري المخلوع “يسرحون ويمرحون في لبنان”، في وقت لا يزال مئات المساجين السياسيين يقبعون في السجون اللبنانية. وتساءل عبدالله بلهجة حادة عن أسباب التباطؤ في معالجة هذا الملف، وعن الجهة التي تعرقل إقفاله، متسائلاً عمّا إذا كان العائق قضائياً أم سياسياً، ومشدداً على أن معالجة هذا الملف تشكّل مدخلاً أساسياً لإعادة صياغة علاقة ندّية وسليمة بين لبنان وسوريا.
على الصعيد الأمني، أفاد مصدر أمني بأن مخابرات الجيش اللبناني باشرت، يوم السبت الماضي، تنفيذ مداهمات أمنية طالت عناصر من فلول النظام السوري البائد في عدة مناطق لبنانية. وذكر المصدر أن العمليات شملت جبل محسن في طرابلس، ومنطقتي الحيصة وحلبا في عكار، إضافة إلى منطقة الكواخ في الهرمل.
وأوضح المصدر أن هذه الإجراءات تأتي في إطار اتفاق سياسي لبناني يهدف إلى منع أي نشاط من شأنه تحويل الأراضي اللبنانية إلى منصة تهديد أو استهداف للأمن القومي السوري، في ظل مخاوف متزايدة من استغلال بعض المناطق والمخيمات لأدوار تتجاوز الطابع الإنساني أو الإغاثي.
وبين المداهمات العسكرية، والمطالبات السياسية والدينية، والتقارير الإعلامية المتقاطعة، يبقى ملف مخيم الهرمل ووجود فلول النظام السوري المخلوع اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة اللبنانية على فرض سيادتها، وضبط حدودها الداخلية، ومنع استخدام أراضيها كساحة لتصفية حسابات إقليمية أو كملاذ آمن لبقايا أنظمة سقطت، لكن تداعياتها لم تنتهِ بعد.