تسعى تركيا في عام 2026 لإنهاء واحدة من أكثر الملفات تعقيدًا في تاريخها المعاصر، وهو المسألة الكردية، سواء داخل حدودها أو في الجوار الإقليمي بعد أربعة عقود من الصراع مع حزب العمال الكردستاني، وتكبد البلاد خسائر بشرية تقدّر بـ 40 ألف شخص، وتكاليف اقتصادية تقارب 500 مليار دولار، بدأت أنقرة مسارًا سياسيًا وأمنيًا متقدمًا، يحظى بدعم داخلي واضح ويشكل فرصة لإغلاق ملف طويل الأمد.
المسار الحالي بدأ بخطوات حاسمة في الداخل التركي، بعد أن أعلن عبد الله أوجلان، زعيم المنظمة المعتقل منذ 1999، حل الحزب والتخلي عن العمليات المسلحة، وهو ما تُوِّج بمؤتمر عام للحزب في مايو/أيار 2025، وتسليم مسلحيه أسلحتهم رسميًا في يوليو/تموز الماضي ويعد هذا التوجه مؤشرًا على نجاح الاستراتيجية التركية التي ربطت بين الضغط العسكري والسياسة، والتي أعادت رسم خريطة السيطرة في المناطق الكردية، وقطع شبكات التواصل الجغرافي بين "الكانتونات" في شمال سوريا.
على المستوى الإقليمي، استثمرت تركيا في تقليص تهديدات حزب العمال في العراق وسوريا، من خلال عمليات عسكرية استباقية في الشمال السوري، وضغوط على أوجلان لإقفال المعابر وتفكيك قدرات التنظيم، بالتوازي مع الضغط على "قسد" لتسليم مؤسساتها للسلطات السورية أو الانخراط في مؤسسات الدولة. وتمت محاولات دمج المسلحين الكرد السوريين ضمن الجيش السوري وفق اتفاقيات مؤجلة سابقًا، فيما تواصل أنقرة مراقبة أي مناورات تهدف لكسب الوقت أو تعطيل المسار.
بالإضافة إلى ذلك، تعمل تركيا على إطار قانوني داخلي جديد للتعامل مع جميع الأكراد المشاركين في أنشطة سابقة للحزب، مع تحديد مصير أوجلان ومَن شاركوا في العمليات المسلحة ومَن لم يشاركوا، بما يضمن تحويل النزاع المسلح إلى عمل سياسي سلمي. ويُتوقع أن يشمل العام الحالي حزمة إصلاحات موسعة في الإدارة المحلية، والحقوق الثقافية واللغوية للأكراد، مما يعزز من اندماجهم في الدولة ويخفف التوترات الداخلية.
تبقى بعض العقبات قائمة، أبرزها رفض بعض الفصائل في التنظيم للخطوات الحالية، واشتراطات الدولة التركية، إضافة إلى احتمالات التدخلات الخارجية، التي قد تهدد استقرار المسار. لكن ما تحقق حتى الآن سياسياً وإعلامياً ولوجستياً يعزز فرص الاستمرار في العملية دون تراجع، ويضع تركيا في موقف يمكنها من ضبط الإيقاع الإقليمي، لا سيما في سوريا والعراق، لتأمين مصالحها الأمنية والاستراتيجية.
في المحصلة، ينظر إلى عام 2026 كفرصة أخيرة لحل المسألة الكردية داخل تركيا والمنطقة، ويأتي هذا العام بمثابة اختبار جدي لقدرة أنقرة على تحقيق إنجاز سياسي وأمني، قد يغير موازين القوى الداخلية والإقليمية لصالح الاستقرار وتقليص نفوذ الجماعات المسلحة.