الاستيلاء على أراضي الفرات يهدد المجتمع والدولة

2026.01.06 - 02:09
Facebook Share
طباعة

 على ضفاف نهر الفرات في دير الزور، تكشف كل موجة انحسار جديدة عن مساحات واسعة من الأراضي التي كانت مغمورة بالمياه، لتتحول تدريجيًا من أملاك عامة للدولة إلى ملكيات أمر واقع. خلال السنوات الأخيرة، أصبحت هذه الأراضي هدفًا للاستيلاء المنظم وغير المعلن، حيث يضع بعض الأفراد أيديهم عليها مباشرة بمجرد ظهورها، دون انتظار أي قرار رسمي أو إجراءات قانونية.


استيلاء مباشر بالقوة والضغط
مع انحسار المياه، تبدأ الأراضي الطينية بالظهور وتوسيع مساحتها تدريجيًا، لتصبح جاهزة للاستيلاء. يقوم البعض بحراثتها، أو إحاطتها بسواتر ترابية، أو زرع محاصيل سريعة، وحتى إقامة مشاريع صغيرة مثل مكابس البلوك، في رسالة واضحة بأن الأرض باتت "ملكًا لهم".

ويقول أحد سكان دير الزور لموقع تلفزيون سوريا إن الاستيلاء على هذه الأراضي يتم بشكل علني، دون أي مساءلة، وأن التجاوزات امتدت من حدود النهر إلى الطرق العامة، مع ردم بعض الأراضي بالبقايا ووضع أسوار لمنع الاقتراب.


القانون والواقع: صراع مستمر
رغم وضوح الوضع القانوني، يتم الاستيلاء تحت غطاء اجتماعي يعتمد على القوة والنفوذ. بعض المستولين يحتمي بعلاقات عشائرية أو نفوذ سياسي، وأحيانًا بحدود أراضيهم المجاورة، ما يجعل الاعتراض صعبًا للغاية.

يوضح المحامي رامي العساف أن هذه الأراضي قانونيًا تابعة للبلدية إذا كانت ضمن المخطط التنظيمي، إلا أن أصحاب الأراضي المجاورة يستغلون غياب الرقابة لتوسيع ممتلكاتهم. ويشير إلى أن أي مشروع حكومي، مثل شق طريق الكورنيش، يُعد سببًا لإزالة هذه التجاوزات، حيث لا يستطيع المستولون التمسك بالأرض أمام قرارات الدولة.


خسائر الدولة والمجتمع
لا يقتصر الضرر على الجانب القانوني فحسب، بل يمتد اقتصاديًا واجتماعيًا. الدولة تخسر مساحات كان من الممكن استثمارها في مشاريع زراعية منظمة أو تأجيرها بعقود رسمية تعود بالعائد للخزينة العامة، في وقت تعاني المحافظة من نقص الموارد.

اجتماعيًا، يُكرّس الواقع الجديد تمايزًا بين من يملك النفوذ ومن لا يملكه، إذ يُمنع صغار المزارعين والمستثمرون الجدد من الوصول إلى هذه الأراضي، بينما تتحول إلى امتياز لفئة محدودة قادرة على فرض سيطرتها، ما يزيد شعور الغبن وانعدام الثقة بالدولة.

ويقول أحد الشبان الراغبين بافتتاح مشروع صغير: "نحن أولى بهذه الأرض لأننا نريد أن نعيش منها، لا أن نوسّع ثروات أشخاص آخرين". ويضيف أن أي محاولات فردية للاعتراض غالبًا ما تواجه بالتهديد أو النصائح "غير الرسمية" بعدم إثارة المشكلات.


المسؤولية والإدارة
من الناحية النظرية، تتوزع المسؤولية بين عدة جهات، منها الموارد المائية والزراعة والإدارة المحلية والبلديات، لكن عمليًا لا تظهر إلا بلدية مدينة دير الزور التي تحاول ملاحقة المستولين على الأرض والمشاريع القائمة عليها.

يقول رئيس البلدية، المهندس ماجد حطاب، إن مراقبي البلدية يقومون بجولات يومية، لكن قلة الكادر المتاح تجعل من الصعب تغطية كل الأراضي المستحدثة. وأضاف أن اتحاد الحرفيين طلب تأجيل إغلاق مكابس البلوك الموجودة على بعض هذه الأراضي، لكن دون أي تغيير فعلي، وهو ما دفع البلدية لبدء تشميعها واستدعاء أصحابها.


الفراغ الإداري وتغليب القوة على القانون
غياب التنسيق الواضح وتداخل الصلاحيات بين المؤسسات الحكومية خلق فراغًا إداريًا استغله البعض لصالحهم، وحوّل أراضي الفرات من ملكية عامة إلى امتياز خاص لأفراد محددين. هذا الواقع يعكس خللاً في إدارة الموارد العامة ويضعف دور المؤسسات الرسمية، كما يشكل نموذجًا لترسيخ الأعراف غير القانونية التي تُحل محل القانون.


الطريق إلى الحل
يؤكد مراقبون أن معالجة هذا الملف تتطلب تفعيل الرقابة الإدارية، وضمان حماية الدولة لأراضيها، وتحديد آليات واضحة للتصرف في الأراضي الناتجة عن انحسار النهر. دون هذه الإجراءات، ستبقى الأراضي المغمورة سابقًا مجالًا لتطبيق القوة والامتيازات الخاصة، بعيدًا عن القانون والمصلحة العامة.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 10 + 4