لقد أراد الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن يبدأ العام الجديد بفرقعة، هكذا وصف الكاتب البريطاني اليميني فريدي غراي ما حدث مؤخرا من إقدام الولايات المتحدة على "اعتقال" رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو وزوجته، وهو فعل لا يمكن إدراجه تحت مظلة القانون الدولي. جاء هذا التدخل متوافقا مع الإستراتيجية الأمنية الجديدة التي أطلقتها إدارة ترامب في ديسمبر/كانون الأول الماضي، والتي أعطت الأولوية للمجال الحيوي للولايات المتحدة في القارتين الأميركيتين، ضمن ما أطلق عليه "ملحق ترامب على مبدأ مونرو"، في إشارة إلى العقيدة التي أطلقها الرئيس الأسبق جيمس مونرو عام 1823، وأعلن خلالها نصف الكرة الغربي مجالا خالصا للنفوذ الأميركي.
يخبرنا هذا التدخل والإستراتيجية المصاحبة له بحقيقة واضحة: رغم تأكيدات ترامب المتكررة حول الرغبة في سحب الولايات المتحدة من أتون الصراعات العالمية، فإن الانسحاب لا يعني التخلي عن الدور المهيمن الذي تلعبه واشنطن على الساحة العالمية. الولايات المتحدة، التي فقدت الكثير من تأثيرها الناعم، تعود اليوم إلى نهج أكثر خشونة في رعاية مصالحها والتعامل مع خصومها، مع التركيز على تدخلات "خاطفة" مصحوبة بالحد الأدنى من المسؤوليات العسكرية طويلة الأمد.
النهج الأميركي الحالي، كما يصفه الكاتب الأميركي المحافظ جيمز ديدامز، ليس معارضا لاستخدام القوة في الخارج، ولكنه معارض للالتزامات الطويلة والتدخلات المكلفة. لذلك لم يغلف ترامب إعلان "اعتقال" مادورو بحديث عن الديمقراطية أو الحريات، بل ركز مباشرة على ملف النفط وإمكانية إدارة فنزويلا من قِبل واشنطن دون مواربة. الهدف لم يكن إقامة نظام مستقر طويل الأمد، بل إثبات القوة الأميركية بسرعة ودون تكاليف حروب طويلة، وإقصاء الأنظمة غير المرغوب فيها في البلدان الحيوية اقتصاديا.
هشاشة خطة واشنطن
غياب هدف واضح ومستدام يجعل التدخل الأميركي محفوفا بالمخاطر. إدارة ترامب لم تضع خطة لما بعد سقوط مادورو، وفُرض تغييره بالقوة قد يفتح المجال لفوضى تشمل صعود ميليشيات مسلحة أو تصاعد صراعات داخل الجيش، وربما وصول قادة أكثر قمعًا إلى السلطة.
حتى المعارضة الفنزويلية، رغم دعمها للتدخل الأميركي، لم تكن مستعدة لتولي الحكم مباشرة، وقد أثبت التاريخ أن محاولات الإطاحة السريعة بالنظام غالبا ما تؤدي إلى عنف واعتقالات جماعية، كما حصل في احتجاجات 2014 و2019.
الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية
الاقتصاد الفنزويلي هش بعد سنوات من الانهيار، حيث يعيش 80% من السكان تحت خط الفقر، وتضاءلت الطبقة الوسطى. أي تغيّر مفاجئ في السلطة قد يؤدي إلى زيادة التضخم، اتساع الفجوة بين سعر الصرف الرسمي وسوق العملات السوداء، وزيادة معاناة المواطن العادي. حتى حكومة مادورو، رغم سياسات الإدارة المثقلة بالمشاكل، ما زالت تحافظ على مؤسسات الدولة الأساسية، وأي تدخل خارجي عنيف قد يقوضها بالكامل.
عبرة التدخل الأميركي
درس الوضع أن "فرقعة" القوة الأميركية، مهما بدت قوية على المدى القصير، لا تضمن استقرارا طويل الأمد أو تحقيق أهداف المعارضة. التدخل المباشر لإسقاط النظام بسرعة قد يترك فراغا للفوضى، صعود الميليشيات، تفاقم الأزمة الاقتصادية، وانتشار العنف، بدل أن يحل الأزمة الحالية.
استنتاج
واشنطن، عبر هذه العملية، قد تكون وقعت في فخ مادورو نفسه: تحقيق انتصار سريع على الورق دون السيطرة على النتائج الواقعية على الأرض، ما يخلق أزمة جديدة بدلاً من حل الأزمة القائمة، ويجعل الانتقال السلس للسلطة مستحيلا في ظل هشاشة النظام وتعقيدات المعارضة الداخلية والفوضى المحتملة بين الفصائل المسلحة.