فلسطينو 48 بين القمع الأمني والغطاء السياسي

2026.01.06 - 11:03
Facebook Share
طباعة

 لم يعد تصاعد العنف الإسرائيلي ضد الفلسطينيين داخل أراضي عام 1948 ظاهرة طارئة أو نتاج أحداث فردية، بل بات يعكس تحولاً عميقاً في بنية التعامل الرسمي مع هذا المكوّن السكاني، وتحول المؤسسة الشرطية من جهاز يفترض به إنفاذ القانون إلى أداة سياسية وأمنية تعمل ضمن منطق السيطرة والترهيب وإعادة تشكيل العلاقة بين الدولة ومواطنيها العرب.

خلال السنوات الأخيرة، وبشكل أكثر وضوحاً في المرحلة الراهنة، تكرّست سياسة استخدام القوة المفرطة ضد فلسطينيي الداخل، لا سيما في مناطق النقب، حيث تُنفّذ الاقتحامات الأمنية بوتيرة متصاعدة، وتُستخدم الذخيرة الحية في ظروف لا تشكّل خطراً فعلياً يبررها. ويجري ذلك في ظل روايات رسمية جاهزة تبرر القتل تحت عناوين “الاشتباه” أو “الخطر الأمني”، دون أن تفضي هذه الحالات إلى محاسبة حقيقية.


تحوّل في وظيفة الشرطة
ما يميز هذا التصعيد ليس فقط عدد الضحايا، بل السياق الذي يحدث فيه. فالشرطة الإسرائيلية باتت تتحرك ضمن رؤية سياسية أوسع، ترى في المجتمع العربي داخل إسرائيل “ساحة أمنية” لا مجتمع مواطنين. وهذا التحول البنيوي يجعل من العنف أداة مُشرعنة، لا خللاً طارئاً، ويمنح عناصر الشرطة هامشاً واسعاً لاستخدام القوة دون خشية من العواقب.

ويتعزز هذا الواقع من خلال غطاء سياسي علني، يتمثل في خطاب رسمي يشيد بأداء الشرطة ويمنحها شرعية مطلقة لـ“فرض النظام” في المناطق العربية، خصوصاً في النقب. هذا الخطاب لا يكتفي بتبرير العنف، بل يعيد تعريفه بوصفه ضرورة وطنية، في مقابل تصوير المجتمع العربي كمصدر فوضى وتهديد دائم.


النقب كحالة اختبار
يشكّل النقب نموذجاً مكثفاً لهذا النهج، حيث تتقاطع سياسات الأمن مع مشاريع السيطرة على الأرض. فالاقتحامات، وعمليات الهدم، والملاحقات الأمنية، ليست منفصلة عن سياق أوسع يهدف إلى إعادة تشكيل الحيز الجغرافي والديمغرافي للمنطقة. ويُستخدم العنف الشرطي هنا كوسيلة ضغط لدفع السكان نحو الإذعان أو الرحيل، في ظل غياب الاعتراف الرسمي بالعديد من القرى، وتجريد سكانها من أبسط مقومات الحماية القانونية.

وفي هذا الإطار، يصبح القتل نتيجة محتملة بل ومتوقعة، لا حادثاً استثنائياً. فغياب المحاسبة، والاكتفاء بإجراءات شكلية، يكرّس رسالة واضحة مفادها أن دم الفلسطيني داخل الخط الأخضر أقل قيمة، وأن المؤسسة الأمنية محصّنة سياسياً وأخلاقياً من أي مساءلة.


خطاب “الحوكمة” كغطاء للعنف
يُسوَّق هذا التصعيد تحت عناوين مثل “فرض السيادة” أو “استعادة الحوكمة”، وهي مصطلحات تُستخدم لتجريد الفلسطينيين من سياقهم المدني، وتحويلهم إلى مشكلة أمنية بحتة. ويؤدي هذا الخطاب إلى قلب المعادلة: فبدلاً من معالجة الجريمة المنظمة عبر سياسات اقتصادية واجتماعية عادلة، يُلقى العبء على المجتمع نفسه، ويُعاقَب جماعياً تحت ذريعة الأمن.

كما يسهم هذا الخطاب في تأجيج التحريض، وخلق حالة استقطاب حاد داخل المجتمع الإسرائيلي، تُستخدم فيها معاناة الفلسطينيين كوقود سياسي، خصوصاً في ظل صعود التيارات اليمينية المتطرفة التي ترى في القمع وسيلة لتعزيز شعبيتها.


من الإفلات من العقاب إلى التطبيع مع القتل
إن أخطر ما في هذا المسار هو تحوّل القتل إلى فعل “طبيعي” في الوعي الرسمي، يتم استيعابه سريعاً عبر بيانات تبريرية وتحقيقات داخلية لا تغيّر شيئاً في الواقع. ومع تراكم الحالات، تتكرّس ثقافة الإفلات من العقاب، ويتحوّل العنف من استثناء إلى قاعدة غير معلنة.

وهذا الواقع لا يهدد الفلسطينيين وحدهم، بل يضرب أسس أي ادعاء بدولة قانون، ويكشف هشاشة القيم التي تدّعيها المؤسسة الإسرائيلية عندما يتعلق الأمر بالمساواة وحقوق الإنسان.


خلاصة المشهد
تصاعد العنف الإسرائيلي ضد فلسطينيي 48 ليس نتيجة ظرف أمني عابر، بل انعكاس لسياسة ممنهجة ترى في هذا المجتمع عبئاً ديمغرافياً وأمنياً يجب إخضاعه بالقوة. ومع استمرار الغطاء السياسي، وغياب المحاسبة، وتطبيع استخدام الرصاص، تتجه العلاقة بين الدولة والفلسطينيين داخلها نحو مزيد من التوتر والانفجار.

وفي ظل هذا المشهد، تبدو الحاجة ملحّة لإعادة قراءة ما يجري بوصفه أزمة بنيوية، لا مجرد تجاوزات فردية، أزمة عنوانها الأساسي: دولة تستخدم أدواتها الأمنية لإدارة مواطنيها الفلسطينيين كخصوم، لا كشركاء في الحقوق والواجبات.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 6 + 4