في تصعيد غير مسبوق منذ انفجار الأزمة المالية، رفعت المصارف اللبنانية سقف اعتراضها على مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، معتبرة أن الصيغة المحالة إلى المجلس النيابي لا تمثّل مدخلًا فعليًا للمعالجة، فهي تؤسّس لمسار يهدد ما تبقّى من البنية المصرفية، ويضع المودعين أمام خسائر مؤجلة ومقنّعة.
الاجتماع المنعقد في اليوم الاثنين، خُصّص لمناقشة مشروع القانون الصادر بموجب المرسوم رقم 2224 بتاريخ 29 كانون الأول 2025 ورغم الترحيب المبدئي بإقرار إطار تشريعي بعد أكثر من ست سنوات على اندلاع الانهيار، أُرفق هذا الموقف بجملة تحفظات طالت الأسس المالية والقانونية التي بُني عليها المشروع.
الملاحظات الأساسية تمحورت حول غياب أي مقاربة رقمية واضحة تحدد حجم الفجوة المالية، أو انعكاساتها على ميزانيات مصرف لبنان والمصارف التجارية، إضافة إلى غموض تقدير الأصول غير المنتظمة والقدرة الواقعية على تسديد الودائع.
ترى جمعية المصارف أن الإيحاء بضمانات غير قابلة للتنفيذ يزيد منسوب المخاطر بدل إعادة بناء الثقة المفقودة.
أحد أخطر الاعتراضات تناول تنصّل الدولة اللبنانية من الإقرار الصريح بالتزاماتها تجاه مصرف لبنان، رغم ثبوت هذه الديون قانونيًا، وعدم التزامها بتغطية العجز المتراكم في ميزانيته، خلافًا لأحكام المادة 113 من قانون النقد والتسليف. ويُشار إلى أن الدولة خرجت مستفيدة من الأزمة مرتين، الأولى عبر توظيف أموال المصارف، والثانية من خلال تقلّص القيمة الفعلية للدين العام من أكثر من 92 مليار دولار إلى أقل من 10 مليارات دولار نتيجة انهيار سعر الصرف.
في المقابل، حمل المشروع القطاع المصرفي العبء الأكبر عبر تحميله الأصول غير المنتظمة بشكل فوري، بدل معالجتها ضمن الفجوة المالية أولًا، في مقاربة تتعارض مع قواعد المحاسبة الدولية IFRS 9، وتتماهى جزئيًا مع اشتراطات صندوق النقد الدولي من دون مراعاة التوازن الداخلي.
على المستوى القانوني، يواجه المشروع انتقادات حادة تتعلق بتعارضه مع مبادئ دستورية أساسية، أبرزها المساس بحق الملكية، والإخلال بمبدأ المساواة بين المودعين، ومنح جهات إدارية صلاحيات ذات طابع قضائي، إضافة إلى فرض أعباء بأثر رجعي تحت مسمّيات ملتبسة.
وتحذّر المصارف من أن التطبيق العملي لهذا المسار سيؤدي إلى تآكل رؤوس أموالها، الإضرار بعلاقاتها مع المصارف المراسلة، وإقفال نافذة الاستثمارات الخارجية لسنوات طويلة، ما يحصر الاقتصاد اللبناني في حلقة ضيقة عنوانها استرداد الودائع من دون نمو أو تعافٍ.
أمام هذا الواقع، وُجّهت دعوة مباشرة إلى المجلس النيابي والقوى السياسية لاعتماد موقف مستقل وجريء، يضع حماية المودعين في الأولوية، ويحفظ القطاع المصرفي بوصفه أحد أعمدة أي اقتصاد قابل للحياة.