يواجه النظام الإيراني اليوم أصعب أزمة في تاريخه الحديث، أزمة تتجاوز العقوبات الاقتصادية لتصل إلى صميم قدرته على البقاء بعد أكثر من أربعة عقود من المواجهة مع العقوبات، تجاوزت الإجراءات المفروضة على طهران 550 عقوبة اقتصادية ومالية وتجارية، شملت المصارف، الطاقة، الشحن، التأمين، والتحويلات المالية الدولية ومع عودة دونالد ترامب إلى الحكم وتفعيل آلية “سناب باك”، تحوّل الضغط من مجرد قيود على الموارد إلى ضرب شرايين التمويل نفسها، ما جعل الاقتصاد الإيراني يكاد يكون مشلولاً، ويضع النظام أمام تحدٍ غير مسبوق في القدرة على المناورة.
تفاقمت الأزمة مع توقيف أكبر ناقلة نفط إيرانية في فنزويلا، في رسالة واضحة مفادها أن إيران لم تعد تملك ملاذات آمنة حتى على بعد آلاف الكيلومترات هذا الحدث جزء من استراتيجية عالمية للضغط على النظام واستنزاف موارده.
وفي الوقت ذاته، شكلت الحرب الأخيرة، والمعروفة باسم "حرب الأيام الاثني عشر"، نقطة تحول كاشفة، إذ استهدفت المنشآت الصناعية والعسكرية الحساسة، ما أجبر إيران على ضخ موارد هائلة لإعادة البناء، في وقت كان الاقتصاد فيه يعاني من انهيار العملة وتراجع شديد في النمو، فضلاً عن احتقان اجتماعي متصاعد.
حاول النظام الإيراني تعويض الثغرات الاستراتيجية بشراء طائرات حربية وأنظمة دفاع جوي من الصين وروسيا، لكنه دفع ثمنًا باهظًا، حيث حوّل كل الموارد المتاحة نحو حماية النظام واستعداده للحرب، على حساب الاقتصاد الداخلي والقطاع الخاص ورفاهية المواطنين الأموال لم تعد مخصصة للإصلاح أو التنمية، وإنما لطوارئ بقاء النظام، ما يجعل أي محاولة لمعالجة الانهيار الاقتصادي شبه مستحيلة.
يرى مراقبون أن النظام نفسه اليوم أمام خيارين قاتلين: الأول، توقيع ما يشبه اتفاقية استسلام جزئية مع الولايات المتحدة، تشمل القبول الكامل بالشروط الأميركية، ووقف البرنامج النووي، مقابل الإفراج عن جزء من الأموال المجمّدة، وهو خيار ينقذ الاقتصاد جزئيًا لكنه يهدد الأساس الأيديولوجي للنظام. الثاني، الاستمرار في الصمود والمراهنة على الوقت، ما يعني الانزلاق نحو انهيار اقتصادي أعمق، تفكك اجتماعي محتمل، وتآكل شرعية الدولة من الداخل.
إيران اليوم ليست أمام أزمة عابرة، فهي مأزق تاريخي كل الموارد تتحول إلى وقود للحرب، كل الخيارات مكلفة، وكل قرار يترك آثارًا طويلة المدى على الاقتصاد والمجتمع والنظام السياسي.
مقابل هذا التوازن القاتل، يبدو أن النظام لم يعد يملك ترف الوقت، وأن أي خطوة خاطئة قد تدفعه نحو انهيار كامل لا يمكن التعافي منه بسهولة.