أثارت واقعة غامضة تتعلق باغتيال مزعوم لأحد أبرز معارضي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين موجة واسعة من الجدل والتفاعل على المنصات الرقمية، بعدما تبيّن لاحقًا أن العملية برمتها لم تكن سوى خدعة استخباراتية محكمة، نُفذت في إطار ما بات يُعرف بـ"حرب الظلال" بين أوكرانيا وروسيا.
القصة بدأت مع إعلان مفاجئ عن مقتل دينيس كابوستين، أحد أخطر المطلوبين بالنسبة للأجهزة الأمنية الروسية، والشخصية التي ارتبط اسمها خلال العامين الماضيين بعمليات عسكرية جريئة داخل الأراضي الروسية. كابوستين هو مؤسس وقائد "فيلق المتطوعين الروس"، وهو تشكيل عسكري يقاتل إلى جانب القوات الأوكرانية منذ عام 2022، ويضم معارضين روسًا انخرطوا في المواجهة المسلحة ضد موسكو.
برز اسم كابوستين بشكل خاص بعد تنفيذ مجموعته عمليات هجومية داخل مناطق روسية حساسة، أبرزها منطقة بيلغورود الحدودية، ما جعله هدفًا عالي القيمة بالنسبة للكرملين. وقد أصدرت المحاكم الروسية حكمًا بالسجن المؤبد بحقه، إلى جانب الإعلان عن مكافأة مالية ضخمة بلغت نصف مليون دولار مقابل تصفيته.
في أواخر ديسمبر/كانون الأول الماضي، أعلن الفيلق الذي يقوده كابوستين خبر مقتله، وجرى تداول بيان مقتضب قال إن القائد "اغتيل بشكل بطولي" خلال معارك على أحد محاور جبهة زاباروجيا، مع تعهد بالثأر. لم يلبث الخبر أن انتشر كالنار في الهشيم، خاصة بعد دعمه بمقاطع مصوّرة قيل إنها توثق لحظة استهدافه.
وأظهرت المقاطع طائرة مسيّرة انتحارية تصطدم بحافلة يُفترض أن كابوستين كان بداخلها، فيما وثقت طائرة أخرى المشهد من الجو والحافلة وهي تحترق بالكامل. هذه المواد البصرية منحت الرواية مصداقية عالية، وساهمت في تسريع تداول الخبر على نطاق واسع، سواء في الإعلام الروسي أو الأوكراني، إضافة إلى منصات التواصل الاجتماعي.
وسرعان ما تعاملت وسائل إعلام روسية مع الخبر على أنه إنجاز أمني مهم، معتبرة أن أحد أخطر خصوم موسكو قد أُزيل من المشهد. غير أن هذه الرواية لم تعمّر طويلًا.
بعد يومين فقط، انقلب المشهد رأسًا على عقب، حين ظهر دينيس كابوستين في مقطع مصوّر جديد، حيًا وبصحة جيدة، إلى جانب ضابط في الاستخبارات العسكرية الأوكرانية، وقائد وحدة قتالية تُعرف باسم "تيمور"، التي ينشط كابوستين ضمن صفوفها. كما ظهر في المشهد رمز لقيادة الاستخبارات الأوكرانية، في رسالة بدت مقصودة وواضحة.
لاحقًا، أعادت الاستخبارات الأوكرانية نشر فيديو "الاغتيال" نفسه، ولكن هذه المرة بعنوان ساخر: "فيديو بنصف مليون دولار"، في إشارة مباشرة إلى قيمة المكافأة التي خصصتها موسكو. وأكدت كييف أن العملية كانت خدعة استخباراتية متقنة، هدفت إلى تضليل الخصوم، وكشف شبكات كانت تخطط فعليًا لاغتيال كابوستين، وإقناع الجانب الروسي بأنه خرج نهائيًا من المعادلة.
هذا التطور فجّر موجة من النقاش والانقسام على المنصات الرقمية. فبينما رأى البعض أن ما جرى يعكس براعة استخباراتية أوكرانية وقدرة على إدارة حرب نفسية عالية المستوى، شكك آخرون في الرواية برمتها، معتبرين أن من الصعب تصديق أن أجهزة روسية عريقة يمكن أن تقع في فخ بهذه البساطة.
وذهب فريق ثالث إلى أبعد من ذلك، متسائلًا عن الدوافع الحقيقية وراء إعلان بقاء كابوستين حيًا، معتبرين أن كشف الخدعة علنًا قد يخفي حسابات أكثر تعقيدًا تتعلق بمستقبله ودوره في الصراع، في ظل سوابق تاريخية تشير إلى نهايات غامضة لكثير من الشخصيات المثيرة للجدل في الحروب.
وأعاد هذا الجدل إلى الأذهان حادثة مشابهة وقعت عام 2018، عندما أعلنت كييف حينها مقتل صحفي روسي معارض، قبل أن يظهر حيًا بعد أيام، في واقعة قيل إنها كانت تهدف لحمايته من مخطط اغتيال حقيقي. وهو ما يعزز الانطباع بأن هذا الأسلوب بات جزءًا من أدوات أوكرانيا في إدارة الصراع غير المعلن مع موسكو.
في المحصلة، تكشف هذه الحادثة أن المواجهة بين روسيا وأوكرانيا لا تقتصر على ساحات القتال التقليدية، بل تمتد إلى العقول، والصورة، والرواية، حيث يمكن لفيديو واحد أن يقلب موازين الثقة، ويشعل جدلًا عابرًا للحدود.