كيف يرى الفلسطينيون التحولات الجارية بفنزويلا؟

2026.01.05 - 08:18
Facebook Share
طباعة

 يترقب الفلسطينيون بقلق بالغ التطورات السياسية المتسارعة في فنزويلا، الدولة التي شكّلت على مدى ما يقارب ثلاثة عقود واحدة من أبرز الدول الداعمة للقضية الفلسطينية، والمعلنة موقفاً صريحاً مناهضاً للاحتلال الإسرائيلي وسياساته. ويعود هذا الاهتمام الفلسطيني إلى عمق العلاقة السياسية والإنسانية التي ربطت الجانبين، والتي تجاوزت حدود البيانات والمواقف إلى أشكال ملموسة من الدعم.

وجاءت هذه المخاوف عقب إعلان السلطات الأميركية تنفيذ عملية عسكرية في العاصمة الفنزويلية كاراكاس، يوم السبت، أسفرت عن اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو ونقله إلى نيويورك تمهيداً لمحاكمته، بالتوازي مع إعلان واشنطن نيتها الإشراف على مرحلة انتقالية في فنزويلا، وهو ما فتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول مستقبل البلاد واتجاهاتها السياسية.

ولا يقتصر الارتباط الفلسطيني بفنزويلا على البعد السياسي فقط، إذ تقدم كاراكاس منذ سنوات مئات المنح الدراسية للطلبة الفلسطينيين، خاصة في التخصصات الطبية، كما أقامت مستشفى “هوغو تشافيز” للعيون في بلدة ترمسعيا شرق مدينة رام الله، الذي افتُتح رسمياً عام 2021، ليصبح رمزاً ملموساً للتعاون بين الجانبين.

في ضوء هذه التطورات، انقسمت آراء المحللين الفلسطينيين بين من يرى أن سياسة فنزويلا الداعمة لفلسطين ستستمر ما دامت نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز تتولى تسيير شؤون البلاد، وبين من لا يستبعد سيناريو صعود تيار يميني متطرف قد يقلب مواقف فنزويلا رأساً على عقب، كما حدث في دول أخرى بأميركا اللاتينية مثل تشيلي، التي تحولت علاقاتها مع الفلسطينيين إلى النقيض.

جذور علاقة سياسية متينة

منذ وصول الرئيس الراحل هوغو تشافيز إلى الحكم عام 1998، شهدت السياسة الخارجية الفنزويلية تحولاً جذرياً لصالح القضية الفلسطينية، بلغ ذروته عام 2009 حين قررت فنزويلا طرد السفير الإسرائيلي وكامل طاقم السفارة من كاراكاس، وإعلان القطيعة الدبلوماسية الكاملة مع إسرائيل، بالتزامن مع الاعتراف الرسمي بدولة فلسطين وإقامة علاقات دبلوماسية كاملة معها في العام نفسه.

ونظراً لخصوصية هذه العلاقة، نظم نشطاء فلسطينيون مساء السبت وقفة تضامنية وسط مدينة رام الله، رفعوا خلالها صور الرئيس مادورو ولافتات عبّرت عن التضامن مع فنزويلا ورفض ما وصفوه بـ“العدوان الأميركي”.

وعلى مستوى الفصائل، أدانت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) العملية الأميركية، ووصفتها بـ“العدوان السافر واختطاف الرئيس مادورو وزوجته”، معتبرة ذلك انتهاكاً خطيراً للقانون الدولي وامتداداً لسياسات أميركية ظالمة. من جهتها، قالت حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية إن الاعتداء يمثل تطوراً بالغ الخطورة وينذر بانهيار كامل لمنظومة القانون الدولي، في عالم باتت فيه القوة العسكرية هي المرجع الوحيد للعلاقات الدولية.

أما الموقف الرسمي الفلسطيني، فجاء أكثر تحفظاً، إذ اكتفت وزارة الخارجية ببيان أكدت فيه متابعتها للأوضاع في فنزويلا، واطمئنانها على أوضاع الجالية الفلسطينية والطلبة وسفارة دولة فلسطين هناك. ودعت الوزارة أبناء الجالية إلى الالتزام بتعليمات السلطات المحلية، وتوخي أقصى درجات الحيطة والحذر، وتقليل الحركة والبقاء في المنازل أو أماكن السكن، والابتعاد عن التجمعات أو أي تحركات عسكرية.

ولا تتوفر أرقام دقيقة حول عدد الفلسطينيين المقيمين في فنزويلا، غير أن تقديرات غير رسمية نُشرت عام 2019 قدّرت عددهم بما يتراوح بين 10 آلاف و15 ألف شخص.

دعم مستمر أم مستقبل مقلق؟

في حديثه للجزيرة نت، وصف الصحفي الفلسطيني عمر نزال العلاقة بين فلسطين وفنزويلا بأنها “قديمة ومتينة”، مؤكداً أنها ترسخت بشكل واضح خلال عهد هوغو تشافيز، الذي قدّم دعماً سياسياً مباشراً للقضية الفلسطينية، وذهب بعيداً في مواجهة إسرائيل عقب حرب غزة عام 2009.

وأشار نزال إلى أن هذا النهج استمر خلال فترة حكم مادورو، وهو ما يفسر الموقف الفلسطيني الرافض لما جرى واعتباره اعتداءً على سيادة فنزويلا. ورجح أن تستمر العلاقة بين الجانبين ما دام النظام الفنزويلي بعيداً عن الهيمنة الأميركية، مستشهداً بتصريحات ديلسي رودريغيز التي أكدت أن مادورو هو الرئيس الشرعي الوحيد للبلاد، معتبراً ذلك “بارقة أمل” لاستمرار السياسة الداعمة لفلسطين.

في المقابل، يرى الكاتب السياسي صالح صُب لبَن أن ما تعرض له مادورو يمثل تجاوزاً صارخاً لكل الأعراف والقوانين الدولية، رافضاً الذرائع الأميركية المتعلقة بمكافحة المخدرات، ومعتبراً أن الهدف الحقيقي هو السيطرة على ثروات فنزويلا.

ويحذر صُب لبَن من أن المستقبل قد يحمل تغيرات سلبية في موقف فنزويلا من القضية الفلسطينية إذا تمكنت الولايات المتحدة من الإمساك بزمام القرار السياسي هناك، مضيفاً أن ما حدث مع مادورو قد يدفع دولاً أخرى كانت منحازة لقضايا الشعوب إلى إعادة حساباتها خشية التعرض لمصير مشابه.

نظام متماسك وتحولات إقليمية

من جانبه، يرى المحلل السياسي أحمد أبو الهيجا، الذي سبق أن أقام في فنزويلا، أن مستقبل العلاقة الفلسطينية–الفنزويلية مرهون بطبيعة التغييرات المحتملة في النظام السياسي، مشيراً إلى أن أجزاء واسعة من هذا النظام ما تزال متماسكة، ما يقلل – برأيه – من فرص حدوث تغييرات جذرية في المدى القريب.

لكن أبو الهيجا لا يخفي قلقه من احتمال صعود اليمين في أميركا اللاتينية، موضحاً أن هذه الظاهرة، حيثما حدثت، انعكست سلباً على العلاقة مع الفلسطينيين، كما هو الحال في تشيلي ودول أخرى اقتربت سياساتها من إسرائيل.

وعن الجالية الفلسطينية في فنزويلا، أشار إلى أنها ليست على قلب رجل واحد، إذ ينقسم أفرادها سياسياً، وينحاز بعضهم إلى التيار اليميني لأسباب اقتصادية أو بدافع حماية الأسرة والاستقرار المعيشي.

ولفت أبو الهيجا إلى أن فنزويلا أعلنت سابقاً تخصيص ألف منحة دراسية للطلبة الفلسطينيين، لا سيما في مجال الطب، كما احتضنت موجات من المهاجرين الفلسطينيين القادمين من قرى محافظة رام الله وبلدة بيت ساحور شرق بيت لحم، ويعمل معظمهم في التجارة.

وفي عام 2014، وافقت الحكومة الفنزويلية على استقبال الدفعة الأولى من الطلبة الفلسطينيين ضمن هذه المنح، وعددهم 100 طالب، في إطار برنامج حمل اسم “منحة الرئيس الشهيد ياسر عرفات”، على أن تُستكمل بقية المنح على عدة سنوات.

وبين القلق والترقب، يبقى الفلسطينيون ينظرون إلى فنزويلا باعتبارها حليفاً تاريخياً لقضيتهم، فيما تظل التطورات الجارية هناك محط متابعة دقيقة، لما قد تحمله من انعكاسات على واحدة من أكثر العلاقات الدولية تميزاً في دعم فلسطين.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 6 + 3