إجماع سياسي واسع حول مؤتمر جنوب اليمن

2026.01.05 - 08:15
Facebook Share
طباعة

 بالتزامن مع التقدم العسكري لقوات «درع الوطن» التابعة للحكومة اليمنية، وتمكنها من بسط سيطرتها على محافظتي حضرموت والمهرة، تتسارع الاستعدادات لعقد مؤتمر الرياض، المرتقب أن يجمع مختلف المكونات والقوى السياسية والاجتماعية في جنوب اليمن وشرقه، في خطوة وُصفت بأنها مفصلية في مسار معالجة القضية الجنوبية.

ويأتي التحضير لهذا المؤتمر استجابة لطلب رسمي تقدم به رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي إلى المملكة العربية السعودية، دعا فيه إلى استضافة حوار جنوبي شامل يهدف إلى إيجاد حلول عادلة ومستدامة للقضية الجنوبية، بمشاركة جميع المكونات دون استثناء، بما في ذلك المجلس الانتقالي الجنوبي الذي أعلن ترحيبه بالدعوة السعودية للمشاركة في المؤتمر.

 

تحضيرات واتصالات موسعة

وأفادت مصادر متطابقة للجزيرة نت بأن الرياض، عبر قنوات سعودية ويمنية مشتركة، شرعت فعلياً في التواصل مع طيف واسع من القوى والمكونات الجنوبية، إلى جانب شخصيات سياسية واجتماعية بارزة، في مسعى يعكس – بحسب رسالة العليمي – “تنوع الجنوب وتعدديته”، ويحول دون تكرار سياسات الإقصاء أو التهميش.

وأكد العليمي في رسالته أن حل القضية الجنوبية لا يمكن أن يكون حكراً على طرف واحد، ولا يجوز اختزاله في إجراءات أو قرارات أحادية، مشدداً على أن أي تسوية حقيقية لا بد أن تقوم على شراكة شاملة تعبّر عن الإرادة الجمعية لأبناء الجنوب.

وفي بيان رسمي، شددت وزارة الخارجية السعودية على دعوتها “كافة المكونات الجنوبية إلى المشاركة الفاعلة في المؤتمر”، مؤكدة أن الهدف هو بلورة تصور شامل لحلول عادلة ومنصفة للقضية الجنوبية، بما يلبّي تطلعات الجنوبيين المشروعة ويخدم مسار السلام في اليمن.

 

موجة تأييد واسعة

وعقب الإعلان عن المؤتمر، توالت بيانات التأييد والترحيب من قوى سياسية يمنية وجنوبية، إضافة إلى مواقف داعمة على المستويين الإقليمي والدولي. وقد رحّبت معظم المكونات الجنوبية والشرقية بالدعوة، معتبرة إياها فرصة تاريخية لتصحيح مسار القضية الجنوبية ووضعها في إطار وطني جامع.

ولفت الانتباه بشكل خاص ترحيب المجلس الانتقالي الجنوبي بالمشاركة في الحوار، رغم أنه كان قد قاد تحركات عسكرية في شرقي اليمن منذ مطلع الشهر الماضي، وتزامن ذلك مع إعلان رئيسه عيدروس الزبيدي ما أسماه “مرحلة انتقالية” ومشروع “استقلال الجنوب”، وهي خطوات أثارت حينها انتقادات واسعة في الأوساط اليمنية.

وفي هذا السياق، يرى عبدالرقيب الهدياني، النائب السابق لرئيس مجلس إدارة مؤسسة “14 أكتوبر” للصحافة، أن دعوة العليمي لعقد مؤتمر الحوار الجنوبي ستحظى بتأييد واسع من مختلف التيارات، ولا سيما تلك التي غُيّبت عن المشهد السياسي خلال السنوات الماضية.

ويؤكد الهدياني أن التفاعل الإيجابي مع المؤتمر يعكس رغبة حقيقية في الخروج برؤية واضحة وشاملة لحل القضية الجنوبية، بعيداً عن حالة “الاختزال” التي رسخها المجلس الانتقالي بتقديم نفسه ممثلاً وحيداً للجنوب. ويضيف أن الحوار يمثل اعترافاً منطقياً بمختلف الأطياف التي عانت الإقصاء والتهميش، ويعيد التوازن للمشهد السياسي الجنوبي.

 

المحافظات الشرقية في صلب الحوار

من جانبه، أكد متعب با زياد، عضو فريق الاتصال الخارجي باللجنة التحضيرية للمجلس الموحد للمحافظات الشرقية، ترحيبهم باحتضان الرياض لمؤتمر الحوار، معتبراً أن هذه الخطوة تأتي في إطار الجهود السعودية الرامية إلى تحقيق السلام والاستقرار في اليمن.

وأعرب با زياد عن أمله في أن يحظى إقليم المحافظات الشرقية، الذي يضم حضرموت وشبوة والمهرة وسقطرى، بتمثيل يتناسب مع ثقله الجغرافي والتاريخي ومكانته الجيوسياسية، مؤكداً أن أي تصور عادل للقضية الجنوبية لا يمكن أن يتجاهل دور هذه المحافظات ومصالحها.

 

نحو تصورات جديدة للقضية الجنوبية

وفي ظل هذا الإجماع الواسع، ومع المتغيرات المتسارعة على الأرض التي تصب في صالح مجلس القيادة الرئاسي وتحظى بدعم واضح من الرياض، يرى مراقبون يمنيون أن مؤتمر الرياض قد يفتح الباب أمام تصورات جديدة لمعالجة القضية الجنوبية، بعيداً عن الطروحات الأحادية.

وتشير الدعوات للمؤتمر إلى تأكيد عدالة ومشروعية القضية الجنوبية، واعتبارها محوراً أساسياً في مسار بناء الدولة اليمنية الحديثة، مع التشديد على حق أبناء المحافظات الجنوبية في حلول منصفة تصون كرامتهم وحقوقهم، وتضمن التعايش السلمي والشراكة السياسية.

ويقول الباحث السياسي عبدالرقيب الهدياني إن “الجنوب يقف اليوم أمام خارطة جديدة تُرسم بمشاركة الجميع”، مشيراً إلى أن الحوار المرتقب يعيد تعريف المجلس الانتقالي بوصفه أحد المكونات، لا الممثل الحصري للجنوب.

ويضيف أن رعاية السعودية لهذا الحوار تجسد عمق العلاقة الإستراتيجية بين البلدين، وتعيد المسار السياسي إلى “مربعه الصحيح” القائم على الشراكة لا الإقصاء.

 

من الاحتكار إلى الشراكة

بدوره، يرى مجدي النقيب، العضو السابق في مؤتمر الحوار الوطني، أن الحوار الجنوبي–الجنوبي يعزز حضور مكونات وازنة مثل مجلس حضرموت الوطني، والائتلاف الوطني الجنوبي، إلى جانب القوى المجتمعية كحلف القبائل والمؤتمر الجامع، التي تمتلك ثقلاً حقيقياً مستمداً من الجغرافيا والموارد والشرعية المجتمعية.

ويشير النقيب إلى أن قوة المجلس الانتقالي استندت في الأساس إلى “سلطة الأمر الواقع” العسكرية، وأن قبوله بالتعددية عبر هذا المؤتمر يعني انتقاله من منطق الهيمنة إلى منطق الشراكة.

ويختم بالقول إن المشهد الجنوبي يتجه اليوم من التمثيل الحصري إلى “شراكة جبرية”، موضحاً أن دعوة الرياض والتحركات الأخيرة في حضرموت وضعت المجلس الانتقالي أمام خيارين: إما الانخراط في حوار حقيقي ينهي الاحتكار السياسي، أو مواجهة عزلة سياسية وميدانية قد تفضي إلى تراجع نفوذه في المحافظات الشرقية والوسطى.

وفي ظل هذه التطورات، يعلّق اليمنيون عموماً، وأبناء المحافظات الجنوبية والشرقية على وجه الخصوص، آمالاً كبيرة على مؤتمر الرياض المرتقب، على أمل أن يشكل بوابة حقيقية للاستقرار، ويعيد توجيه البوصلة نحو التنمية والبناء وإنهاء سنوات من الصراع والانقسام.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 10 + 7