رغم التحولات السياسية التي شهدتها سوريا، ما زالت القوانين القديمة والإجراءات الإدارية تشكّل عائقًا حقيقيًا أمام عودة آلاف الموظفين الذين انشقوا عن مؤسسات الدولة خلال سنوات الثورة، وقرروا اليوم العودة إلى البلاد أملاً في استعادة حياتهم وحقوقهم، ليجدوا أنفسهم في مواجهة منظومة قانونية لم تتغير، وتعاملهم بعقلية العقاب لا المصالحة.
بهذه المعاناة يختصر علاء الدين أرحيمو، الرئيس السابق لقسم الاتصالات في مطار دمشق الدولي، تجربته بعد عودته إلى سوريا عقب سقوط النظام. علاء، وهو مهندس إلكترون شغل منصبًا إداريًا وفنيًا حساسًا في قطاع الطيران، انشق عن عمله عام 2012 بسبب موقفه من الثورة، واضطر لمغادرة البلاد لسنوات.
يقول علاء إن أول تواصل معه بعد التحرير جاء بشكل غير رسمي، عبر مجموعة على تطبيق “واتساب” أنشأها وزير النقل، وضمت عددًا من الموظفين السابقين الذين غادروا أعمالهم خلال الحرب، بهدف الاستفادة من خبراتهم الفنية والاستشارية. إلا أن هذه المبادرة، بحسب وصفه، لم تستمر أكثر من عشرة أيام، قبل أن تُلغى المجموعة فجأة دون أي تفسير.
بعد ذلك، قرر علاء زيارة مطار دمشق الدولي وهيئة الطيران المدني، واضعًا نفسه “تحت التصرف الكامل”، مؤكدًا استعداده للعودة إلى العمل أو تقديم الدعم الفني اللازم. إلا أن هذه الخطوة، كما يقول، لم تلقَ أي متابعة رسمية، رغم ما يمتلكه هو وزملاؤه من خبرات متخصصة ودورات تدريبية خضعوا لها خارج البلاد.
وأضاف أنه تقدم بطلبات رسمية وسجّل اسمه على جميع الروابط التي أعلنت عنها هيئة الطيران المدني لاستقبال الكفاءات، لكن دون أن يتلقى أي رد.
قوانين لم تسقط بسقوط النظام
المنعطف الأبرز في قصة علاء جاء خلال زيارته الأخيرة، عندما فوجئ بوجود منع سفر بحقه. وبعد مراجعات رسمية، تبيّن وجود دعوى منظورة أمام المحكمة بجرم “ترك العمل”، إضافة إلى مطالبة مالية مسجلة باسمه.
ورغم منحه إذن سفر لمرة واحدة فقط، أُبلغ علاء بأن أي عودة جديدة إلى سوريا ستعيد تفعيل منع السفر إلى حين “تسوية وضعه”، وهي تسوية تعني – بحسب ما نُقل له رسميًا – فقدانه كامل حقوقه الوظيفية، بما في ذلك أي حق في راتب تقاعدي مستقبلي.
بين خيارين لا ثالث لهما، كما يصف، وجد علاء نفسه أمام معادلة قاسية: إما التنازل الكامل عن حقوقه، أو الامتناع عن دخول البلاد مجددًا. ويؤكد أن موقفه ليس موجّهًا ضد الدولة، بل ضد “ممارسات فردية وإدارية” يرى أنها لا تنسجم مع آمال بناء دولة قانون وعدالة بعد مرحلة التحرير.
قصص مشابهة وحقوق مهدورة
تتكرر هذه الإشكالية مع موظفين آخرين. هبة عز الدين، موظفة سابقة على ملاك وزارة التربية في محافظة الرقة، انشقت عن عملها مع انطلاق الثورة وبقيت في إدلب لسنوات، دون أن تتمكن من تقديم استقالة رسمية بسبب الملاحقات الأمنية آنذاك.
وعند عودتها إلى سوريا، فوجئت بضرورة مراجعة وزارة التربية في دمشق، حيث أُبلغت بأن ملفها يحتاج متابعة قانونية طويلة، وتوكيل محامٍ، وأنها ما تزال مسجلة على ملاك تربية الرقة. المفاجأة الأكبر كانت صدور قرار بمنعها من مغادرة البلاد، إضافة إلى غرامة مالية، استنادًا إلى قوانين طُبّقت في عهد النظام السابق.
وتقول هبة إن العفو الصادر آنذاك أسقط عقوبة السجن فقط، لكنه أبقى الغرامة ومنع السفر قائمين، مضيفة: “قيل لي إن العفو أنقذني من السجن، وكأن تطبيق القانون القديم كان سيؤدي إلى حبسي لولا هذا الاستثناء”.
وبحسب الإجراءات، فإن تسوية وضعها تتطلب التنازل عن سنوات خدمتها الوظيفية ودفع الغرامة، وهو ما تعتبره استمرارًا لمعاقبة أشخاص اتخذوا مواقف أخلاقية في زمن القمع، بدل إنصافهم ورد الاعتبار لهم.
أثر تشريعات قديمة في مرحلة جديدة
تشير التحليلات القانونية إلى أن قوانين الخدمة العامة والعمل في سوريا، ولا سيما المادة 364 من قانون العقوبات، اعتبرت “ترك العمل” دون استكمال الإجراءات الرسمية جريمة يعاقَب عليها بالسجن والغرامة، وتحرم الموظف من حقوقه المالية والتقاعدية.
وقد استُخدمت هذه النصوص خلال السنوات الماضية كأداة عقابية بحق الموظفين المنشقين أو المعارضين، ما يطرح اليوم تساؤلات جوهرية حول جدوى استمرار تطبيقها في مرحلة انتقالية يفترض أن تقوم على العدالة وجبر الضرر.
ومن منظور حقوقي، يُعدّ منع السفر قيدًا خطيرًا على حرية التنقل، وهي من الحقوق الأساسية المعترف بها دوليًا، ولا يجوز تقييدها إلا وفق ضوابط صارمة ومبررات قانونية واضحة.
الحاجة إلى قرار سياسي وقانوني
يرى حقوقيون وموظفون سابقون أن الجهات الرسمية تمتلك الصلاحية القانونية والإدارية لإعادة تقييم هذه الملفات، ومنح استثناءات أو تسويات عادلة ترفع قيود منع السفر، وتحفظ الحقوق الوظيفية، أو تعوض عنها، بما يشجع عودة الكفاءات بدل دفعها إلى البقاء خارج البلاد.
فبالنسبة لكثيرين، لم تعد المشكلة مجرد وظيفة، بل مسألة كرامة وحق في العودة، دون الخوف من قوانين صيغت في زمن القمع، وما زالت تلقي بظلالها الثقيلة على مستقبل العائدين.