ما بعد مادورو: مشهد مفتوح

2026.01.04 - 03:27
Facebook Share
طباعة

 استيقظ العالم على تطور غير مسبوق في أميركا اللاتينية، بعدما أعلنت الولايات المتحدة تنفيذ عملية عسكرية داخل فنزويلا، أسفرت عن اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما جواً إلى الأراضي الأميركية، في خطوة فتحت الباب على مصراعيه أمام أزمة سياسية وقانونية دولية، وأعادت طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل فنزويلا والنظام الدولي نفسه.

وبعد ساعات من تضارب الروايات حول ما جرى في كراكاس، أكدت الإدارة الأميركية أن العملية نُفذت فجر السبت، وأن مادورو أصبح قيد الاحتجاز، تمهيداً لمثوله أمام محكمة فدرالية في مانهاتن، حيث يواجه اتهامات تتعلق بالمخدرات والأسلحة و”قيادة حكومة غير شرعية”، وفق توصيف واشنطن.

من كراكاس إلى نيويورك

وصل مادورو وزوجته إلى قاعدة عسكرية شمالي نيويورك، قبل أن يُنقلا إلى مكاتب إدارة مكافحة المخدرات، حيث خضعا لتحقيق أولي، ثم تقرر إيداع الرئيس الفنزويلي مركز احتجاز في بروكلين إلى حين مثوله أمام القضاء.
وفي موازاة ذلك، نشرت وزارة العدل الأميركية وثيقة اتهام واسعة، تزعم أن مادورو استغل سلطات الدولة لسنوات في أنشطة غير قانونية، على رأسها تسهيل تهريب المخدرات، وأن هذه الأنشطة ساهمت في إثراء نخبة سياسية وعسكرية داخل البلاد.

إدارة أميركية “مؤقتة”

لم تتوقف تداعيات العملية عند حدود الاعتقال، إذ أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن الولايات المتحدة ستتولى “إدارة شؤون فنزويلا” خلال مرحلة انتقالية، إلى حين تهيئة الظروف لعملية سياسية جديدة، مؤكداً أن واشنطن لن تسمح بعودة ما وصفه بـ”الواقع السابق”.

وتزامن ذلك مع حديث أميركي صريح عن قطاع النفط، حيث أشار ترامب إلى أن شركات أميركية كبرى ستتجه للاستثمار في فنزويلا، وإعادة تأهيل بنيتها التحتية النفطية، مع الإبقاء على العقوبات المفروضة، والاستعداد لتوسيع التدخل العسكري إذا اقتضت الضرورة.

تحذيرات ورسائل إقليمية

في خطابات متلاحقة، وسّع ترامب نطاق رسائله التحذيرية، متوجهاً إلى كولومبيا وكوبا، ومشيراً إلى أن سياسة واشنطن في المنطقة قد لا تتوقف عند فنزويلا. كما عبّر عن “إحباطه” من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في سياق يعكس تداخلاً متزايداً بين الملفات الدولية، من أوكرانيا إلى أميركا اللاتينية.

الصين تدخل على الخط

دولياً، برز الموقف الصيني سريعاً، إذ طالبت بكين بالإفراج الفوري عن مادورو وزوجته، ووصفت العملية الأميركية بأنها “انتهاك واضح للقانون الدولي”، داعية إلى ضمان سلامتهما والتوقف عن أي خطوات تهدف إلى تغيير النظام بالقوة.

هذا الموقف يعكس قلقاً دولياً متنامياً من سابقة قد تعيد رسم قواعد التعامل بين الدول، خصوصاً عندما يتعلق الأمر باستخدام القوة العسكرية خارج أطر الشرعية الدولية.

جدل قانوني واسع

قانونياً، أثارت العملية الأميركية نقاشاً حاداً بين خبراء القانون الدولي والدستوري. فواشنطن برّرت ما جرى باعتباره “عملية إنفاذ قانون” استندت إلى لوائح اتهام صادرة عن محكمة أميركية، لكن إعلانها المتزامن عن نية إدارة فنزويلا مؤقتاً فتح الباب أمام اتهامات بتجاوز هذا الإطار.

ويرى مختصون أن القانون الدولي يقيّد استخدام القوة في العلاقات الدولية، ولا يجيزها إلا في حالات استثنائية، مثل الدفاع عن النفس أو بتفويض أممي، وهو ما لا ينطبق، وفق هؤلاء، على قضايا الاتجار بالمخدرات، مهما بلغت خطورتها.

كما أُثيرت تساؤلات داخل الولايات المتحدة نفسها حول دور الكونغرس، في ظل عدم إبلاغه مسبقاً بالعملية، رغم أن الدستور يمنحه سلطة إعلان الحرب، حتى وإن اعتبر البيت الأبيض أن التدخل “محدود النطاق”.

سوابق تاريخية… وتشابه مقلق

يستحضر مراقبون سوابق مشابهة، أبرزها اعتقال الجنرال البنمي مانويل نورييغا عام 1989، حين بررت واشنطن تدخلها بحماية مواطنيها واتهامات تتعلق بالمخدرات، وكذلك تسليم رؤساء ومسؤولين سابقين من دول أخرى لمحاكمتهم في الولايات المتحدة.

غير أن خصوصية الحالة الفنزويلية تكمن في الجمع بين الاعتقال العسكري، والإعلان السياسي عن إدارة البلاد، والسيطرة المحتملة على موارد استراتيجية، ما يجعل المشهد أكثر تعقيداً.

إلى أين تتجه الأزمة؟

حتى الآن، لا تبدو فنزويلا أمام مسار واضح. فالسلطة في كراكاس تواجه فراغاً سياسياً، والانقسام الداخلي مرشح للتفاقم، في ظل غياب موقف رسمي حاسم من مؤسسات الدولة. في المقابل، تتزايد الضغوط الدولية، وسط مخاوف من أن تتحول الأزمة إلى نموذج جديد في العلاقات الدولية، عنوانه فرض الوقائع بالقوة.

وبينما يترقب العالم جلسة محاكمة مادورو، يبقى السؤال الأبرز مفتوحاً: هل ما جرى بداية انتقال سياسي فعلي، أم لحظة انفجار ستعيد خلط الأوراق في المنطقة بأسرها؟

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 5 + 9