الدولة أم الشباب… من المسؤول عن الضفة؟

2026.01.04 - 01:06
Facebook Share
طباعة

 في خطاب أثار جدلاً واسعاً، حاول رئيس الوزراء الإسرائيلي تقديم تفسير مبسط لموجة العنف المتصاعدة في الضفة الغربية، محدداً المسؤولية بمجموعة صغيرة من الشبان، فيما يراه مراقبون متابعون للشأن الفلسطيني مسعىً لتخفيف المسؤولية الرسمية وتحويل الانتباه عن دور الدولة ومؤسساتها الأمنية.

لكن الواقع على الأرض، وفق تحليلات مراقبين ومختصين في القانون الدولي، يُظهر أن هذه الأعمال العنيفة ليست مجرد تصرفات فردية، ولا يمكن حصرها في عدد محدود من الأشخاص. فالجيش الإسرائيلي وأجهزة إنفاذ القانون موجودة في معظم الأحداث، ولكنها غالباً ما تفشل أو تمتنع عن أداء واجبها في حماية السكان الفلسطينيين، بما يتوافق مع ما يفرضه القانون الدولي من حماية للأبرياء.

تسلسل الأحداث الأخيرة يوضح هذه الصورة: هجمات من قبل مستوطنين ضد الفلسطينيين في مناطق مختلفة من الضفة الغربية لم تتوقف، مع استمرار الاعتداءات على الممتلكات والمزارع والمنازل. هذه الاعتداءات لا تحدث بمعزل عن الدولة، بل تحظى غالباً بتساهل، إذا لم يكن دعماً صريحاً من بعض السلطات، وهو ما يعكس مشكلة أوسع تتعلق بالعنف المنهجي في المنطقة.

في هذا السياق، يشير محللون إلى أن محاولة ربط المسؤولية بمجموعة صغيرة من الشباب تعمل على نفي الطابع النظامي لهذه الاعتداءات، وتحوّل السردية الرسمية إلى قصة مريحة تبتعد عن الحقيقة. فالحديث عن سبعين شاباً فقط، في الوقت الذي يشير فيه الواقع إلى مشاركة أو قبول واسع من جانب قطاعات كبيرة من المجتمع الإسرائيلي، لا يعكس الصورة كاملة. يمكن القول، بشكل رمزي، إن المسؤولية تقع على نطاق أوسع بكثير، بما في ذلك مؤسسات الدولة، والسياسات الحكومية، وحتى الصمت الاجتماعي الذي يشرعن استمرار هذه الأعمال.

الحكومة الإسرائيلية، بحسب المراقبين، لا تتخذ إجراءات حقيقية لوقف هذه الاعتداءات، بل تكتفي أحياناً بتصريحات متفرقة لا تؤدي إلى محاسبة الفاعلين أو ردعهم. في المقابل، فإن استمرار هذه الممارسات يرسل رسالة ضمنية إلى المجتمع بأن هذه الأفعال يمكن أن تحدث دون عقاب، مما يعزز نمط العنف ويجعل المجتمع الفلسطيني عرضة لمزيد من المخاطر، بما في ذلك فقدان الأراضي وتهجير السكان.

الوجود العسكري الإسرائيلي في الضفة الغربية له دور مزدوج: فهو يحافظ على السيطرة العسكرية والسياسية، لكنه في الوقت نفسه يتوقف عن حماية المدنيين الفلسطينيين، وهو ما يجعل الدولة شريكاً فعلياً في النتائج. هذه الديناميكية تعكس فشلاً منهجياً في الالتزام بالمعايير القانونية الدولية، بما في ذلك الالتزام بحماية المدنيين أثناء النزاعات، وهو ما يشير إلى خلل في المسؤولية الإدارية والسياسية.

وتتسع المشكلة أيضاً لتشمل المجتمع المدني. فالقبول الضمني أو المشاركة الجزئية من قطاعات كبيرة من السكان في هذه الممارسات يفسر استمرار العنف. وعندما يتم تصوير المعتدين على أنهم "مشاغبون" أو "شبان خارجون عن القانون"، فإن الرواية الرسمية تُخفّض من حجم الظاهرة وتُبعد المسؤولية عن النظم السياسية والأجهزة الأمنية، رغم أنها جزء أساسي من المشهد.

من الناحية القانونية والسياسية، يمكن القول إن هذه الاستراتيجية الرسمية تسعى لتخفيف الضغط الدولي والمحلي، وتجنب تحميل الدولة المسؤولية الأخلاقية والسياسية، بينما تظل الممارسات العنيفة قائمة دون رادع فعلي. ويؤكد مراقبون أن هذه الظاهرة جزء من استراتيجية أوسع تؤثر على مستقبل الفلسطينيين في الضفة الغربية، بما في ذلك محاولات دفع السكان إلى مغادرة مناطقهم، وتغيير التركيبة السكانية، وهي ممارسات تتناقض مع مبادئ القانون الدولي الإنساني.

في النهاية، تبقى الصورة الشاملة للعنف في الضفة الغربية مركبة ومتعددة الأبعاد: مزيج من العنف المنهجي، والتساهل الرسمي، والصمت الاجتماعي، والاستراتيجيات السياسية التي تعكس توجهاً رسمياً للتعامل مع الفلسطينيين. ومن دون إجراءات فعالة من الدولة ومحاسبة حقيقية للفاعلين، من المتوقع أن تستمر الاعتداءات، مما يجعل الروايات المبسطة عن مسؤولية عدد محدود من الأفراد مضللة وتبتعد عن الواقع.

إن تحميل مجموعة صغيرة من الشباب المسؤولية وحدها لا يقدم سوى تفسير جزئي للواقع، بينما تبقى الصورة الأوسع واضحة: الدولة حاضرة، الجيش حاضر، والمجتمع شريك بشكل أو بآخر، لكن القانون الدولي والمبادئ الأخلاقية لا يتم تطبيقها بالشكل المطلوب، وهو ما يجعل المسؤولية جماعية وتتجاوز مجرد تصرفات فردية.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 10 + 6