مقدمة
شكّل عام 2025 اختبارًا حقيقيًا لقدرة المجتمع السوري على الانتقال من مرحلة الصراع المفتوح إلى حالة من الاستقرار الاجتماعي المستدام، في ظل تحوّلات سياسية وأمنية عميقة رافقت سقوط نظام الأسد. فعلى الرغم من المؤشرات الإيجابية المتمثلة بعودة أعداد كبيرة من اللاجئين والنازحين، إلا أن الواقع الاجتماعي ظل محكومًا بعوامل هشاشة متعددة، أبرزها استمرار النزوح الداخلي، والتوترات الأمنية المحلية، وتدهور الأوضاع المعيشية داخل سوريا وفي بلدان اللجوء. وبينما سعت الدولة الجديدة إلى تثبيت أسس المرحلة الانتقالية، بقي المجتمع السوري يعيش حالة من القلق وعدم اليقين، جعلت الاستقرار الاجتماعي أقرب إلى حالة مؤقتة منه إلى مسار ثابت.
الحصاد الاجتماعي
شهدت سوريا خلال عام 2025 تحوّلات اجتماعية وأمنية عميقة أفرزت واقعًا داخليًا معقّدًا، تتقاطع فيه عوامل عدم الاستقرار على مستويات متعددة. فقد أعادت حركة السكان، التي جمعت بين عودة واسعة ونزوح جديد، تشكيل التوزيع الاجتماعي في عدد من المناطق، ما خلق بيئة اجتماعية شديدة الحساسية تجاه أي متغير أمني أو سياسي. وفي موازاة ذلك، حافظ المشهد الأمني على درجة عالية من التقلّب نتيجة تعدّد الفاعلين وتنوّع أنماط العنف والاختراق، الأمر الذي جعل التوترات الاجتماعية والأحداث الأمنية متداخلة بصورة مباشرة. وأسهم هذا التفاعل في إنتاج سياق عام اتسم بغياب الاستقرار المستدام، وبقاء معظم المناطق السورية تحت تأثير ديناميكيات متغيرة يصعب التنبؤ بمسارها.
وبعد مرور عام على سقوط نظام الأسد، سجّلت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين عودة أكثر من 1.2 مليون لاجئ سوري من دول الجوار، ولا سيما تركيا ولبنان والأردن ومصر، إضافة إلى عودة ما يقارب مليوني نازح داخلي إلى مناطقهم الأصلية داخل سوريا. ورغم أهمية هذه الأرقام وما تعكسه من رغبة شعبية في العودة والاستقرار، إلا أنها لم تُنهِ أزمة النزوح بشكل كامل؛ إذ ما تزال البلاد تضم نحو 7.4 مليون نازح داخلي، من بينهم أكثر من مليوني شخص يقيمون في المخيمات، بينما يتوزع قرابة خمسة ملايين نازح على مختلف المحافظات السورية، في ظروف معيشية وخدمية متفاوتة.
وفي الوقت الذي كانت تشهد فيه بعض المناطق عودة نسبية للسكان، برزت موجات نزوح جديدة أعادت خلط المشهد الاجتماعي، ولا سيما بعد الأحداث الأمنية التي شهدها الساحل السوري ومحافظة السويداء. فقد أدّت التوترات التي وقعت في بعض مدن الساحل والمنطقة الوسطى إلى نزوح ما يقارب 105 آلاف شخص باتجاه لبنان، في مؤشر واضح على هشاشة الوضع الأمني والاجتماعي في تلك المناطق. كما شهدت محافظة السويداء تسجيل نحو 190 ألف نازح داخلي نتيجة الاشتباكات والاحتكاكات المجتمعية التي وقعت خلال تموز/يوليو 2025، ما عكس استمرار قابلية الانفجار الاجتماعي في البيئات التي تعاني من تراكم أزمات سياسية وأمنية واقتصادية.
ولا يقلّ واقع اللاجئين السوريين في بلدان اللجوء تعقيدًا عن الداخل السوري؛ إذ ما تزال الظروف الاقتصادية القاسية تلقي بظلالها الثقيلة على حياتهم. وتشير البيانات إلى أن 70% من اللاجئين السوريين يعيشون تحت خط الفقر، فيما يعتمد أكثر من 90% من اللاجئين في لبنان على المساعدات الإنسانية بشكل كامل. وفي الأردن، تبلغ نسبة الأسر السورية المثقلة بالديون نحو 93%، بينما يعجز 90% من اللاجئين السوريين في تركيا عن تغطية احتياجاتهم الأساسية، ما يجعل خيار العودة محفوفًا بالمخاطر في ظل غياب ضمانات اقتصادية وخدمية داخل سوريا.
بالتوازي مع هذه التحولات، شهد الداخل السوري أنماطًا متباينة من الحراك الاحتجاجي، جاءت امتدادًا للضغوط الاجتماعية والمعيشية المتراكمة. فقد اندلعت احتجاجات مطلبية نفّذها المعلمون وسائقو سيارات الأجرة، وارتبطت بشكل مباشر بتراجع مستوى الخدمات الأساسية، وارتفاع تكاليف المعيشة، وسياسات التوظيف، والقوانين الناظمة للعمل. وفي المقابل، برزت احتجاجات ذات طابع طائفي وسياسي، لا سيما في الساحل وبعض مناطق حمص، عقب حادثة زيدل في 23 تشرين الثاني/نوفمبر، وما رافقها من توترات مجتمعية.
وعلى الرغم من محدودية هذه الاحتجاجات من حيث الزمن والنطاق الجغرافي، إلا أنها كشفت عن استمرار القلق الاجتماعي وغياب الإحساس بالأمن، وأظهرت أن البيئة الاجتماعية في سوريا ما تزال قابلة للتقلب السريع مع أي حدث محفّز، سواء كان أمنيًا أو اقتصاديًا أو سياسيًا.
في المحصلة، يمكن القول إن المشهد الاجتماعي السوري خلال عام 2025 اتسم باستقرار نسبي هش، لم يرقَ بعد إلى مستوى الاستقرار المستدام. فرغم عودة أعداد كبيرة من السكان، واستمرار الحياة في معظم المناطق، إلا أن موجات النزوح الجديدة، والضغوط الاقتصادية، والتوترات المحلية، تضع مسؤوليات إضافية على عاتق المؤسسات الحكومية في إدارة الواقع الاجتماعي، من خلال تسريع الإصلاح المؤسساتي، وتحسين مستوى الخدمات، واحتواء التوترات المحلية، للحيلولة دون توسعها أو انعكاسها سلبًا على السلم الأهلي في مرحلة ما بعد التحرير.