الحصاد العسكري السوري: عام إعادة بناء الجيش

2026.01.04 - 11:14
Facebook Share
طباعة

 مقدمة
شكّل العام الأول بعد التحرير مرحلة مفصلية في تاريخ المؤسسة العسكرية السورية، إذ انتقلت البلاد من واقع انهيار كامل لمنظومة الجيش والأجهزة الأمنية التابعة للنظام السابق، إلى مسار معقّد لإعادة بناء قوة عسكرية وطنية موحّدة تتبع لسلطة الدولة. فقد جاء سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 مترافقًا مع تفكك شامل للبنية العسكرية القديمة، ما فرض على السلطة الجديدة تحدّي إعادة تأسيس الجيش من الصفر تقريبًا، في بيئة أمنية غير مستقرة، وضمن توازنات داخلية وإقليمية ودولية شديدة الحساسية.

وخلال عام على التحرير، تركز الحصاد العسكري على ثلاثة مسارات متوازية: دمج الفصائل المسلحة ضمن مؤسسة عسكرية واحدة، وبناء هيكلية تنظيمية وتدريبية للجيش الجديد، والتعامل مع وجود مجموعات مسلحة ما تزال خارج إطار وزارة الدفاع، وعلى رأسها قوات سوريا الديمقراطية والحرس الوطني في السويداء. وقد تحقق في هذا السياق تقدم ملموس في توحيد الفصائل وبناء نواة جيش جديد، إلا أن هذا التقدم ظل محاطًا بتحديات تتعلق بآليات الدمج، والتسليح والتدريب، والحفاظ على وحدة القرار العسكري والسيادي للدولة السورية.


1. حالة وزارة الدفاع السورية
بدأت عملية بناء الجيش السوري الجديد بشكل رسمي وفعلي مع تعيين اللواء مرهف أبو قصرة وزيرًا للدفاع في 21 كانون الثاني/ديسمبر 2024، وهي خطوة شكّلت نقطة تحوّل مفصلية في تاريخ الدولة السورية، خصوصًا في ظل الانهيار الكامل لقوات النظام السابق وتفكك بنيته العسكرية والأمنية. وقد احتفظ أبو قصرة بمنصبه عند الإعلان عن تشكيل الحكومة السورية الانتقالية في 30 آذار/مارس 2025، بما عكس توجّهًا نحو تثبيت القيادة العسكرية خلال المرحلة الانتقالية وعدم إدخالها في دوّامة التغييرات السياسية.

جاء هذا التعيين في سياق أعقب مباشرة عملية «ردع العدوان» التي قادتها فصائل المعارضة المسلحة، وفي مقدمتها هيئة تحرير الشام، والتي أفضت إلى إسقاط نظام الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024. ووضعت هذه العملية الأساس لدمج جميع الفصائل العسكرية المعارضة ضمن مؤسسة عسكرية واحدة، تخضع لسلطة وزارة الدفاع السورية، بدل استمرارها كقوى متفرقة خارج إطار الدولة.

اعتمدت وزارة الدفاع منذ البداية خطة تقوم على دمج جميع الفصائل العسكرية دون استثناء ضمن صفوف الجيش الجديد، بما في ذلك قوات سوريا الديمقراطية (قسد). وقد نجحت الوزارة فعليًا في إنجاز عملية دمج معظم الفصائل ضمن وحدات عسكرية نظامية، وفق آلية مؤسساتية وقانونية، إلا أن هذه العملية لم تشمل حتى نهاية عام 2025 قوات قسد، التي تصرّ على الانضمام بهيكلها التنظيمي القائم وبشكل مستقل عن بقية الوحدات، وهو ما ترفضه دمشق.

وانطلقت عملية الدمج عبر تشكيل لجان اختصاصية تولّت مهمة حصر القوى البشرية والوسائط القتالية لدى الفصائل، بهدف بناء هيكلية تنظيمية تتناسب مع الواقع الميداني القائم، والذي لا يزال يتسم بعدم الاستقرار الكامل، ويحتوي على تهديدات أمنية متعددة، إلى جانب فصائل تمتلك تنوعًا كبيرًا في العتاد والاختصاصات، مثل الدفاع الجوي والمشاة والمهام الخاصة.


وسارت عملية دمج الفصائل بشكل متوازٍ وفق ثلاث مراحل رئيسية:
تشكيل الفرق العسكرية:
جرى تشكيل فرق عسكرية من الفصائل التي شاركت في معركة ردع العدوان، وبلغ عدد هذه الفرق 20 فرقة، وُزعت جغرافيًا بما يتناسب مع الواقع الأمني والعسكري في مختلف المناطق السورية. وتتميز هذه الفرق بكونها وحدات مختلطة من حيث التسليح والاختصاص، وتضم صنوف المشاة والقوات الخاصة وغيرها.


تأسيس إدارات القيادة:
شملت هذه المرحلة إنشاء بنية قيادية وإدارية للجيش الجديد، تمثلت في تشكيل هيئة التدريب المشرفة على الجاهزية التدريبية والقتالية للوحدات، وإدارة شؤون الضباط، وشعبة التنظيم والإدارة المسؤولة عن الموارد البشرية، إلى جانب إدارة التسليح، وإدارة الشبكات.


صيانة وتأمين القاعدة التدريبية:
تمثلت هذه المرحلة في إعادة تأهيل وهيكلة المنشآت التعليمية العسكرية، بما في ذلك الأكاديميات والكليات التخصصية، التي شملت: الأكاديمية العسكرية العليا المختصة بالدورات العسكرية المتقدمة، والكلية الحربية، وكلية الإشارة والإلكترون، وكلية الشؤون الفنية والإدارية، وكلية المدفعية والتسليح، وكلية المشاة والاستطلاع، وكلية الهندسة والكيمياء، وكلية المدرعات، وكلية الدفاع الجوي، والكلية الجوية.


2. حالة التسليح والتدريب
اعتمدت وزارة الدفاع في مساري التدريب والتسليح على القاعدة التدريبية والتسليحية المتوفرة لديها، وهي القاعدة التي خاضت من خلالها معركة ردع العدوان. وعلى هذا الأساس، جرى إعداد الهيكلية التنظيمية للجيش الجديد بما يتناسب مع الإمكانات المتاحة فعليًا، بعيدًا عن الطموحات غير القابلة للتنفيذ في المدى القريب.

وساهم الحراك السياسي الذي قادته الحكومة السورية الجديدة في تخفيف القيود المفروضة على الأجهزة الأمنية والعسكرية، حيث أُعلن عن رفع العقوبات التي فُرضت سابقًا نتيجة سلوك نظام الأسد. وفي هذا السياق، أعلنت الحكومة البريطانية رفع العقوبات المفروضة على وزارتَي الداخلية والدفاع في سوريا خلال فترة حكم الأسد. كما أن رفع العقوبات الدولية، بما في ذلك القيود المرتبطة بقانون قيصر، أتاح هامشًا أوسع للتحرك في مسار تسليح الجيش وتدريبه.

وتشير الزيارات المتكررة والمتبادلة بين وفود وزارتَي الدفاع في سوريا وتركيا إلى توجّه واضح نحو الاستفادة من الخبرة التركية في مجال التدريب والتسليح. كما يظهر اعتماد دمشق على المملكة العربية السعودية كشريك داعم في هذا المسار، لا سيما أن كِلا البلدين يتمتعان بعلاقات جيدة مع الولايات المتحدة الأمريكية. ويبدو أن مصالح هذه الأطراف تتقاطع عند هدف تحقيق الاستقرار وبناء مؤسسات الدولة السورية.

في الوقت ذاته، اتجهت وزارة الدفاع إلى الاستفادة من روسيا في مجال صيانة وتعمير ما يمكن إصلاحه من الأسلحة التي خلّفها النظام السابق ولم يطالها القصف الإسرائيلي، خصوصًا في قطاعات القوات البحرية والدفاع الجوي والمدرعات، وذلك عبر زيارات متبادلة مع الجانب الروسي.


3. حالة المجموعات المسلحة خارج وزارة الدفاع
في آب/أغسطس 2025، تشكّلت قوات الحرس الوطني في السويداء، من عدة مجموعات عسكرية كانت تنشط داخل المحافظة، وتتبع الشيخ حكمت الهجري، أحد المراجع الروحية للطائفة الدرزية في سوريا. ويستمد هذا التشكيل قوته من احتضانه عددًا من فلول نظام الأسد، إضافة إلى الأسلحة التي استولت عليها المجموعات المنضوية فيه من القطعات العسكرية بعد 8 كانون الأول/ديسمبر 2024. كما يوفر الشيخ حكمت الهجري غطاءً سياسيًا محليًا ودوليًا لهذا التشكيل، من خلال استدعاء الدعم الإسرائيلي.

لم تُبدِ الحكومة السورية موقفًا واضحًا من قوات الحرس الوطني، كما لم تسعَ إلى إقامة تواصل مباشر معها، في ظل وجود تيار واسع من أبناء السويداء يعارض هذه الخطوة، لكنه غير قادر على التعبير عن موقفه بسبب حالة القمع التي يمارسها المجلس ضد معارضيه داخل المحافظة. وفي المقابل، يوجد تيار فاعل ومؤثر داخل السويداء، قادر على معالجة الملفات الخدمية والأمنية، ولا سيما ملف المختطفين وإعادة إعمار القرى المتضررة من عمليات تموز/يوليو، ويمثله كل من سليمان عبد الباقي وليث البلعوس، اللذين كانا من أبرز معارضي نظام الأسد منذ انطلاق الثورة السورية عام 2011. كما يتقاطع هذا الواقع مع توجّه الحكومة السورية والمجتمع الدولي نحو الحفاظ على وحدة الأراضي السورية.

وعندما وُقّعت خارطة الطريق لحلّ أزمة السويداء بين الحكومة السورية والولايات المتحدة والأردن، جرى استبعاد قوات الحرس الوطني من مضامين الاتفاق ومن المشاركة فيه. في المقابل، عمل الشيخ حكمت الهجري على تعزيز التنسيق بين الحرس الوطني وقوات سوريا الديمقراطية، في محاولة لتحسين موقعه التفاوضي في مواجهة الحكومة السورية، التي لا يبدو أنها تخطط في المرحلة الراهنة لدمج الحرس الوطني ضمن وزارة الدفاع.

أما قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، فقد وقّع قائدها مظلوم عبدي في 10 آذار/مارس 2025 اتفاقًا مع الرئيس أحمد الشرع، نصّ على دمجها بشكل كامل في وزارة الدفاع السورية. غير أن هذا الاتفاق لم يُنفّذ حتى نهاية عام 2025، بسبب الخلاف حول آلية الدمج؛ إذ تصرّ دمشق على حلّ عناصر قسد ودمجهم ضمن وحدات الجيش الجديد على غرار بقية الفصائل، بينما تتمسك قسد بالانضمام ككتلة واحدة، أو على شكل مجموعات تحافظ على مواقع انتشارها في شمال شرق سوريا، بما يضمن لها قيادة مستقلة وصيغة من اللامركزية العسكرية.

وتحاول قسد ممارسة ضغوط على الحكومة السورية لدفعها إلى القبول برؤيتها، عبر ما يشبه تحالفًا غير معلن، يشمل دعمها لقوات الحرس الوطني في السويداء، والتنسيق مع أنشطة الفلول في الساحل، فضلًا عن الاستفزازات المتكررة على خطوط التماس، بهدف جرّ القوات السورية إلى مواجهات واسعة، واستثمار أي تصعيد في اتهام الحكومة بارتكاب انتهاكات.


خلاصة الحصاد العسكري
في المحصلة، ورغم التحديات القائمة، يُظهر الحصاد العسكري خلال عام على التحرير أن الحكومة السورية حققت تقدمًا نسبيًا مهمًا في مسار إعادة بناء المؤسسة العسكرية. ويُعدّ ما تحقق إنجازًا كبيرًا بالنظر إلى الأسباب الذاتية المتمثلة في توحيد الفصائل العسكرية ضمن إطار مؤسسي واحد، وبالأسباب الموضوعية المرتبطة بتخفيف أثر العقوبات الدولية التي كانت تعيق بشكل مباشر عملية بناء جيش وطني جديد.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 1 + 2