عام على التحرير: الحصاد السياسي السوري داخليًا وخارجيًا

2026.01.04 - 10:34
Facebook Share
طباعة

 شهدت سوريا خلال عامها الأول بعد التحرير لحظة تاريخية فارقة في مسار إعادة صياغة الدولة سياسيًا واجتماعيًا وأمنيًا. فقد دخلت البلاد مرحلة انتقالية معقّدة تداخلت فيها عملية البناء مع تفكيك إرث المرحلة السابقة، وتعاقبت فيها خطوات التأسيس المؤسسي مع تداعيات سياسية واجتماعية وأمنية متراكمة منذ سنوات. ومع انقضاء السنة الأولى على سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، بدا المشهد السوري وكأنه يتحرك ضمن مستويين متوازيين؛ أولهما يسعى إلى تثبيت معالم الدولة الناشئة عبر إجراءات سياسية ودستورية عاجلة، وثانيهما يتفاعل مع واقع اجتماعي وأمني واقتصادي لا يزال في طور إعادة ترتيب ذاته تحت وطأة تحولات عميقة.

وخلال هذه الفترة، برزت سلسلة من الخطوات السياسية المفصلية التي رسمت الإطار العام للمرحلة الانتقالية، بدءًا من السعي الحثيث لمنع حدوث فراغ سياسي شامل، مرورًا بعقد مؤتمرات وطنية جامعة، وصولًا إلى إصدار الإعلان الدستوري وتشكيل الحكومة الانتقالية. ورغم ما واجهته هذه الإجراءات من تحديات واعتراضات داخلية، فإنها أسهمت في نقل البلاد إلى مرحلة جديدة كان الاعتراف الدولي أحد ركائزها الأساسية.

وعلى المستوى العسكري، أفرز حصاد عام على التحرير بنية مختلفة جذريًا عمّا كان قائمًا في المرحلة السابقة، بعد حلّ الفصائل ودمجها وتأسيس مؤسسة جديدة للجيش على أسس وطنية، في وقت ظلّت فيه ملفات أخرى، مثل قوات سوريا الديمقراطية والحرس الوطني في السويداء، تلقي بظلالها الثقيلة على مسار إعادة بناء قطاعي الدفاع والأمن. أما على الصعيد الاقتصادي، فقد واجهت البلاد انتقالًا تدريجيًا من حالة الانكماش العميق إلى وضع من الاستقرار الحذر، مستفيدة من تخفيف العقوبات الدولية وتوحيد السياسات الاقتصادية. وبهذا، اكتملت صورة عام يُعدّ من أكثر الأعوام كثافة منذ اندلاع الثورة، عام تتقاطع فيه إعادة التأسيس مع التحديات، وتتشكّل خلاله ملامح سوريا الجديدة ضمن واقع لا يزال قيد التشكّل.


الحصاد السياسي
1. الحصاد السياسي الداخلي
فور سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، شهد المشهد السياسي السوري على الصعيد الداخلي تحولات جذرية، كان محورها الأساسي منع حدوث فراغ في السلطة، بما يضمن الحفاظ على كيان الدولة السياسي واستمرار مكانتها القانونية على المستوى الدولي. وقد تحقق ذلك عبر سلسلة من الخطوات الهادفة إلى استكمال العملية الانتقالية السياسية بما يتوافق مع قرار مجلس الأمن رقم 2254 لعام 2015، بالتوازي مع إجراءات سياسية هدفت إلى بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، والحفاظ على وحدة البلاد وسلامة أراضيها، ومنع أي انقسامات داخلية محتملة.


وقد مرّت هذه العملية بعدد من المحطات الرئيسية، أبرزها:

تشكيل حكومة تصريف الأعمال:
في 10 كانون الأول/ديسمبر 2024، جرى تكليف محمد البشير، رئيس حكومة الإنقاذ، بتشكيل حكومة لتصريف الأعمال، تولّت إدارة شؤون البلاد خلال المرحلة الأولى بعد التحرير، واستمرت في عملها حتى 29 آذار/مارس 2025.


مؤتمر النصر:
انعقد مؤتمر النصر في 29 كانون الثاني/يناير 2025، وشكّل محطة سياسية مفصلية، حيث جرى خلاله تكليف أحمد الشرع بمهام رئاسة الجمهورية، وتفويضه بتشكيل مجلس تشريعي مؤقت. كما قرر المؤتمر حلّ حزب البعث وأحزاب الجبهة الوطنية التقدمية وحظر إعادة تشكيلها، وحلّ الأجهزة الأمنية والجيش، وتشكيل مؤسسة أمنية جديدة وبناء جيش جديد على أسس وطنية. وشملت القرارات كذلك حلّ مجلس الشعب، وإلغاء العمل بدستور عام 2012، وحلّ جميع الفصائل العسكرية والأجسام الثورية والسياسية والمدنية، ودمجها ضمن مؤسسات الدولة.


مؤتمر الحوار الوطني:
انعقد مؤتمر الحوار الوطني في 24 و25 شباط/فبراير 2025، وكان من أبرز مخرجاته إقرار نتائج مؤتمر النصر. وتضمّن البيان الختامي ثلاثة بنود رئيسية تتعلق بخطوات الانتقال السياسي، تمثلت في الإسراع بإصدار إعلان دستوري مؤقت يتناسب مع متطلبات المرحلة الانتقالية ويضمن سدّ الفراغ الدستوري، والإسراع بتشكيل المجلس التشريعي المؤقت، وتشكيل لجنة دستورية لإعداد مسودة دستور دائم للبلاد.


الإعلان الدستوري:
في 13 آذار/مارس 2025، وقّع الرئيس أحمد الشرع الإعلان الدستوري، الذي حدّد شكل نظام الحكم الجديد في سوريا بالنظام الرئاسي، ملغيًا بذلك منصب رئيس الوزراء.


الحكومة الانتقالية:
أُعلن عن تشكيل الحكومة الانتقالية في 29 آذار/مارس 2025، وضمت 23 وزيرًا. وشهد التشكيل الوزاري استحداث وزارتين جديدتين للمرة الأولى في تاريخ الحكومات السورية، هما وزارة الشباب والرياضة ووزارة الطوارئ والكوارث. كما جرى دمج وزارات التجارة الداخلية والاقتصاد والصناعة في وزارة واحدة هي وزارة الاقتصاد، ودمج وزارات النفط والكهرباء والموارد المائية في وزارة واحدة هي وزارة الطاقة.


انتخابات مجلس الشعب:
جرت المرحلة الأولى من انتخابات مجلس الشعب في 5 تشرين الأول/أكتوبر 2025 في 49 دائرة انتخابية تابعة لـ11 محافظة سورية، فيما جرت المرحلة الثانية في 23 من الشهر ذاته في دائرتي تل أبيض التابعة لمحافظة الرقة، ورأس العين التابعة لمحافظة الحسكة. وتم تأجيل الانتخابات في باقي دوائر الحسكة والرقة والسويداء ودائرة عين العرب في حلب، بسبب خروجها عن سلطة الدولة.

واجهت هذه الخطوات اعتراضات داخلية من بعض المكونات السورية، سواء من حيث التمثيل أو من حيث عدم تلبية الإعلان الدستوري لمتطلباتها، إلا أنها في المقابل حظيت باعتراف وترحيب دوليين كانا كافيين للاعتراف بالسلطات الجديدة. ولا تزال المرحلة الانتقالية تتطلب استكمال تسمية ثلث أعضاء المجلس التشريعي من قبل رئيس الجمهورية، واستكمال الانتخابات في باقي المناطق، ثم الشروع في صياغة الدستور الدائم وإجراء انتخابات عامة على أساسه، وهي عملية من المتوقع أن تستغرق خمس سنوات وفق تصريحات الحكومة.

وفي سياق الحفاظ على وحدة الدولة وسيادتها، خصوصًا بعد أحداث الساحل في 6 آذار/مارس 2025، اتجهت الحكومة الجديدة إلى عقد اتفاقات سياسية بهدف منع تكرار مثل هذه الأحداث لما لها من آثار داخلية وخارجية سلبية، وجرى ذلك عبر:


الاتفاق مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد):
وُقّع في 10 آذار/مارس 2025 بين الرئيس أحمد الشرع وقائد قسد مظلوم عبدي، وتضمّن ثمانية بنود، أبرزها رفض دعوات التقسيم، ودمج جميع المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سوريا ضمن إدارة الدولة السورية، بما في ذلك المعابر الحدودية والمطار وحقول النفط والغاز.


خارطة طريق السويداء:
وهي اتفاق ثلاثي سوري–أردني–أمريكي وُقّع في 16 أيلول/سبتمبر 2025، وتضمّن 13 بندًا لإنهاء الأزمة في السويداء، وكان من أبرزها التأكيد على أن السويداء جزء لا يتجزأ من سوريا، ولا مستقبل لها خارج إطار الدولة السورية.

ورغم عدم تطبيق كلا الاتفاقين حتى نهاية عام 2025، فإن الجهود الحكومية والدولية ما تزال مستمرة لتطبيقهما، وتفادي الانزلاق مجددًا إلى نزاعات داخلية مسلحة.


2. الحصاد السياسي الخارجي
دخلت السياسة الخارجية السورية بعد التحرير مرحلة إعادة بناء شاملة، حيث بعثت إدارة العمليات منذ الأيام الأولى رسائل تطمين إلى المجتمع الدولي، شملت روسيا والصين والعراق والأردن، أكدت فيها على أهداف المرحلة الجديدة، وقدّمت ضمانات بشأن العلاقات الاستراتيجية ومستقبل سوريا بعد الأسد. كما وجّهت إشادات للدول التي رفضت دعم النظام السابق أو أبقت على تمثيلها الدبلوماسي في دمشق.


العلاقات مع الولايات المتحدة
أبدت السلطة الجديدة رغبة واضحة في إعادة بناء العلاقات مع واشنطن، وتعاملت بمرونة مع شروطها، ما فتح الباب لرفع العقوبات الأمريكية تباعًا، ومشاركة الرئيس أحمد الشرع في الجمعية العامة للأمم المتحدة، ثم شطب اسمه ووزير الداخلية أنس خطاب من قوائم الإرهاب، وصولًا إلى استقباله في البيت الأبيض. ومع ذلك، ظل مستقبل هذه العلاقة مرهونًا بملفات حساسة، أبرزها العلاقة مع إسرائيل وحقوق الأقليات.


العلاقات مع إسرائيل
رغم أكثر من ألف غارة إسرائيلية، وتوغلات عسكرية واحتلال مواقع داخل الأراضي السورية، حافظت الحكومة الجديدة على سياسة عدم الرد، والتزامها باتفاق فض الاشتباك، واستمرت المفاوضات غير المباشرة دون التوصل إلى اتفاق نهائي، مع ترجيحات باستمرار هذا الوضع خلال 2026.


العلاقات مع روسيا والصين وأوروبا والعالم العربي والأمم المتحدة
اتبعت دمشق سياسة توازن دقيق، نجحت من خلالها في تحييد روسيا والصين، وتحقيق اختراقات مع الاتحاد الأوروبي، واستعادة الزخم العربي، وتحسين العلاقة مع الأمم المتحدة، ما تُوّج برفع العلم السوري الجديد في نيويورك، والمشاركة الدولية الواسعة، ورفع العقوبات الأممية.


خلاصة
دخلت السياسة الخارجية السورية بعد التحرير مرحلة جديدة من إعادة التموضع الدولي، وحققت مكاسب سياسية ودبلوماسية ملموسة، لكنها بقيت محاطة بتحديات حقيقية، أبرزها عدم انعكاس هذه الإنجازات الخارجية على حلّ الملفات الداخلية العالقة، ولا سيما في شمال شرق سوريا والسويداء، ما يجعل المرحلة المقبلة مفتوحة على احتمالات متعددة.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 1 + 3