تشهد الساحة اليمنية منذ فجر السبت تطورات ميدانية وسياسية متسارعة أعادت رسم ملامح المشهد في محافظات الشرق والجنوب، وسط تصعيد عسكري متزامن مع تحركات سياسية مفاجئة. فقد تزامن انسحاب قوات المجلس الانتقالي الجنوبي من مواقع حيوية في محافظة المهرة مع تقدم لافت لقوات “درع الوطن” الحكومية في محافظة حضرموت، في وقت تتزايد فيه الدعوات للحوار واحتواء التوتر.
وجاءت هذه التطورات بعد إعلان مفاجئ عن مرحلة انتقالية لمدة عامين، تفتح الباب أمام استفتاء لتقرير مصير الجنوب، وهو ما أثار ردود فعل سياسية متباينة، وحرّك مؤسسات الدولة اليمنية باتجاه البحث عن إطار جامع يمنع انزلاق الأوضاع نحو صدام واسع.
وفي هذا السياق، برز تحرك سياسي سريع تمثل في الدعوة إلى عقد مؤتمر جنوبي شامل، يضم مختلف المكونات والقوى والشخصيات الجنوبية دون استثناء. ويُنظر إلى هذا المؤتمر بوصفه محاولة لاحتواء التصعيد وفتح مسار سياسي منظم لمعالجة القضية الجنوبية، بعيداً عن الخطوات الأحادية أو فرض الوقائع بالقوة.
على الصعيد الميداني، حققت قوات “درع الوطن” تقدماً بارزاً في محافظة حضرموت، حيث بسطت سيطرتها على مواقع سيادية وحيوية في مدينة سيئون، شملت القصر الرئاسي والمطار، ضمن عملية عسكرية وُصفت بأنها تهدف إلى تأمين وادي وصحراء حضرموت وبسط نفوذ الحكومة على المنشآت الاستراتيجية. وأعقب ذلك توجيهات رسمية بتسريع عودة النشاط الملاحي الجوي، في خطوة اعتُبرت مؤشراً على تثبيت السيطرة وبدء مرحلة تطبيع الأوضاع.
كما توسعت العمليات لتشمل محيط مدينة المكلا، عاصمة المحافظة، حيث أُعلن عن السيطرة على معسكرات ومواقع عسكرية إضافية، في ظل إسناد جوي استهدف تعزيزات عسكرية تابعة للمجلس الانتقالي. وترافقت هذه التحركات مع دعوات متكررة لانسحاب القوات الأخرى من المدن، تفادياً للاشتباك وحفاظاً على الأرواح.
وفي مؤشر على اتساع رقعة السيطرة، انتشرت قوات “درع الوطن” في مدن تاريخية ومناطق جديدة داخل حضرموت، وسط ترحيب قبلي ومحلي دعا إلى تغليب منطق التهدئة والتكاتف، ودعم السلطة المحلية لبسط الأمن والاستقرار. وأُعلن لاحقاً عن استكمال تأمين وادي حضرموت بالكامل، والبدء بخطة للانتقال نحو الساحل وتأمين المنشآت السيادية والخدمية.
سياسياً، تفاعلت أطراف إقليمية مع التطورات الجارية، حيث صدرت دعوات واضحة لضبط النفس وتغليب الحوار، محذّرة من مخاطر التصعيد وانعكاساته على الاستقرار الإقليمي. وشددت هذه المواقف على أن الحلول السياسية الشاملة تظل الطريق الأنجع لمعالجة القضايا العالقة، وفي مقدمتها القضية الجنوبية.
وفي المقابل، عبّر المجلس الانتقالي الجنوبي عن رفضه لما يجري ميدانياً، معتبراً أن ما يحدث يمثل تصعيداً عسكرياً يستهدف الجنوب، وداعياً المجتمع الدولي إلى التعامل مع مطالبه بوصفها قضية سياسية عادلة، تقوم على حق تقرير المصير ورفع القيود المفروضة براً وبحراً وجواً.
وبالتوازي مع هذه المواقف، برز دعم إقليمي لمبادرة الحوار، مع تأكيد أهمية إشراك جميع المكونات الجنوبية في أي مسار تفاوضي، والالتزام بالأطر الوطنية الجامعة للوصول إلى تسوية سياسية شاملة تحفظ استقرار البلاد ووحدتها.
وفي تطور لافت، أعلنت محافظات مجاورة لمناطق التوتر استعدادها للتعاون الأمني لضمان عدم اتساع رقعة المواجهات، فيما جدد التحالف الداعم للشرعية التزامه بحماية الاستقرار ومنع انزلاق الأوضاع إلى صراع مفتوح.
ميدانياً أيضاً، شهدت محافظة المهرة انسحاباً لقوات المجلس الانتقالي من ميناء نشطون وعدد من المقار الحكومية في مدينة الغيضة، في خطوة وُصفت بأنها تمهيد لتسليم المواقع بشكل سلمي، والعمل على تطبيع الأوضاع تحت إشراف السلطات المحلية.
وفي ضوء هذه التطورات، تتجه الأنظار إلى المسار السياسي المرتقب، وسط تساؤلات حول قدرة الحوار الجنوبي الشامل على امتصاص التوتر، ومنع تحوّل المكاسب الميدانية إلى صدام طويل الأمد. وبين تقدّم القوات على الأرض، وتكثيف الدعوات للحوار، يقف اليمن أمام لحظة مفصلية قد تحدد ملامح المرحلة المقبلة، إما باتجاه التهدئة وإعادة ترتيب المشهد، أو نحو مزيد من التعقيد وعدم اليقين.