الملف الصامت بين بيروت ودمشق

2026.01.04 - 09:46
Facebook Share
طباعة

 يشهد لبنان في الآونة الأخيرة تصاعداً في الجدل السياسي والأمني حول وجود مئات الضباط والعناصر العسكريين السوريين السابقين على أراضيه، في ملف بالغ الحساسية يتقاطع فيه القانون مع السياسة، والسيادة مع الضغوط الإقليمية والدولية. وتدور النقاشات حول ما إذا كان هؤلاء يشكلون مجرد حالة لجوء سياسي وأمني، أم أن وجودهم يضع الدولة اللبنانية أمام استحقاقات قانونية لا يمكن تجاهلها.

وتشير المعطيات المتداولة إلى أن دمشق سلّمت بيروت قائمة تضم قرابة 300 ضابط سوري، مرفقة بمعلومات تفصيلية عن أماكن وجودهم وتحركاتهم داخل الأراضي اللبنانية. هذا التطور فتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول طبيعة المتابعة الأمنية الدقيقة لهذا الملف، وحول مدى استعداد السلطات اللبنانية للتعامل معه في ظل تعقيدات داخلية معروفة.

وبحسب معلومات أمنية متقاطعة، فإن بعض هؤلاء الضباط لجأوا إلى مناطق حدودية وحساسة، حيث يُعتقد أن مجمعات سكنية مغلقة أُنشئت لإيوائهم مع عائلاتهم، في ظل إجراءات أمنية مشددة. وتُثار في هذا السياق اتهامات غير مثبتة رسمياً حول توفير غطاء وحماية لبعضهم، الأمر الذي تنفيه جهات رسمية لبنانية بشكل قاطع.

ويضع هذا الملف لبنان أمام اختبار قانوني معقد، خاصة أن عدداً من الأسماء الواردة على اللوائح متهم بارتكاب جرائم حرب أو انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، ما يجعل القضية خاضعة لمبدأ الولاية القضائية الدولية، وليس فقط للتفاهمات الثنائية بين الدول. كما أن بعض هؤلاء يتمتعون بإقامات قانونية أو أوضاع إدارية نظامية، ما يزيد من تعقيد أي قرار يتعلق بتوقيفهم أو تسليمهم.

ويرى خبراء قانونيون أن الدولة اللبنانية تجد نفسها محاصرة بين التزاماتها الدولية من جهة، ومخاوفها من انعكاسات داخلية أمنية وسياسية من جهة أخرى. فالتعامل مع هذا الملف من دون حساب دقيق قد يفتح أبواب توتر داخلي، في بلد يعاني أساساً من هشاشة سياسية واقتصادية وأمنية.

ولا يمكن فصل قضية الضباط السوريين عن سياق أوسع من الأزمات التي تعرقل إعادة تنظيم العلاقة بين بيروت ودمشق. أولى هذه الأزمات تتعلق بملف السجناء السوريين في لبنان، حيث لا يزال آلاف الموقوفين بانتظار تسوية قانونية أو نقل إلى بلادهم، بينهم سجناء سياسيون وقضاياهم موضع اهتمام حقوقي دولي.

أما الأزمة الثانية، والأكثر حساسية، فهي لجوء ضباط وقادة عسكريين سوريين إلى لبنان، بعضهم مدرج على لوائح عقوبات دولية أو ملاحقات أمنية، وسط اتهامات باستخدام الأراضي اللبنانية كنقطة تحرك أو تواصل قد تؤثر على الاستقرار السوري والإقليمي، وهي اتهامات تنفيها جهات لبنانية رسمياً.

وتبرز الأزمة الثالثة في الخلاف المالي القائم بين البلدين، والمتعلق بمطالب دمشق باستعادة أموال لمودعين سوريين محتجزة في المصارف اللبنانية، وهو ملف شائك يتداخل فيه القانون المالي مع الانهيار المصرفي غير المسبوق الذي يشهده لبنان.

في موازاة ذلك، دخلت أطراف دولية على خط القضية، عبر طلبات قضائية رسمية ومتابعات قانونية، ما زاد من تعقيد المشهد ورفع مستوى الضغوط على السلطات اللبنانية. ويخشى مراقبون من أن يتحول هذا الملف إلى ورقة ضغط سياسية وقانونية طويلة الأمد، تستخدم في مفاوضات إقليمية أوسع.

وبين النفي الرسمي اللبناني، والتقارير الإعلامية والأمنية المتداولة، يبقى مصير الضباط السوريين في لبنان معلقاً، في انتظار مقاربة شاملة توازن بين حماية الاستقرار الداخلي واحترام القانون الدولي، في ملف يُعد من الأكثر حساسية وتأثيراً على مستقبل العلاقة بين بيروت ودمشق، وعلى صورة لبنان في المجتمع الدولي.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 1 + 6