شهدت سوريا خلال عام 2025 تحوّلات غير مسبوقة منذ أكثر من خمسة عقود، بعد سقوط نظام الرئيس بشار الأسد أواخر عام 2024، ما أدى إلى فتح الباب أمام تغييرات سياسية، اقتصادية، واجتماعية عميقة، بينما ظهرت تحديات مركّبة تتعلق بتوحيد البلاد، معالجة الانقسامات المجتمعية، واستعادة الاستقرار في ظل تهديدات إقليمية ودولية متصاعدة.
الحكومة الانتقالية ومسار الإصلاح
أُنشئت الحكومة الجديدة برئاسة أحمد الشرع في مطلع 2025، لتقود المرحلة الانتقالية بعد انهيار مؤسسات الدولة السابقة. ركّزت الحكومة على عدة محاور رئيسية: إعادة ترتيب المشهد الأمني والسياسي، ترميم المؤسسات الحكومية، معالجة التدهور المعيشي، وإعادة بناء الثقة بين المكونات المجتمعية المختلفة.
القرارات الكبرى والإصلاحات السياسية
من أبرز القرارات التي اتخذتها الحكومة الجديدة:
إبطال دستور 2012، تمهيداً لوضع إطار قانوني جديد للمرحلة الانتقالية.
حلّ حزب البعث ومجلس الشعب السابقين، وإلغاء المؤسسات المرتبطة بالنظام السابق.
تفكيك الأجهزة الأمنية والعسكرية التابعة للنظام السابق، لقطع امتداد السلطة الأمنية التقليدية.
إطلاق "خارطة طريق سياسية" تهدف لتنظيم العملية الانتقالية وإعداد الانتخابات المقبلة.
كما شهد العام خطوات رمزية، شملت:
إلغاء قانون قيصر ورفع العقوبات الأميركية والدولية تدريجياً.
شطب هيئة تحرير الشام من قوائم الإرهاب في بعض الدول.
رفع أسماء قيادات سورية من قوائم العقوبات الأممية، ما ساهم في خلق بيئة مواتية لجذب الاستثمارات.
الإصلاحات الدستورية والمؤسساتية
شهدت سوريا في فبراير/شباط 2025 انطلاق مؤتمر الحوار الوطني بمشاركة واسعة من القوى السياسية والاجتماعية، تلاه إعلان دستوري مؤقت في مارس/آذار، وتشكيل حكومة انتقالية ومجلس للأمن القومي، مع تعزيز المؤسسات التشريعية والتنفيذية.
الانتخابات والمشاركة السياسية
في أكتوبر/تشرين الأول، شهدت البلاد أول انتخابات لمجلس الشعب بعد التحرير، وفق نظام انتخابي مؤقت وغير مباشر، لتشكيل سلطة تشريعية انتقالية. هذه الانتخابات شكلت محطة هامة في إعادة بناء الحياة السياسية بعد عقود من هيمنة النظام السابق.
إعادة هيكلة الوزارات والإدارة
على المستوى الإداري، اتخذت الحكومة خطوات إصلاحية شاملة، تضمنت:
إنشاء وزارتي "الطوارئ والكوارث" و**"الرياضة والشباب"**.
دمج وزارات الصناعة والتجارة والتموين لتسهيل إدارة القطاعات الاقتصادية.
رفع رواتب العاملين بنسبة 200% لتعزيز القدرة الشرائية.
تحرير الأسعار تدريجياً للخبز والمشتقات النفطية والكهرباء، مع توحيد التعرفة الجمركية وتعديل رسوم الواردات.
إعادة هيكلة السفارات والبعثات الدبلوماسية لتحسين الأداء وتوحيد السياسات الخارجية.
الإصلاحات الاقتصادية والاستثمارية
شهد الاقتصاد السوري تحسناً نسبياً في سعر صرف الليرة، مع بقاء معدلات النمو ضمن نطاق محدود. أبرز الخطوات الاقتصادية:
جذب استثمارات خارجية بقيمة 28 مليار دولار، وفق تصريحات الرئيس الشرع.
إعادة تأهيل البنى التحتية وقطاعي الطاقة والنقل، بما في ذلك مشاريع الكهرباء والطاقة الشمسية، وتطوير الموانئ والطرق.
تطبيق نظام ضريبي جديد يشمل إعفاءات وحوافز للصناعيين، مع تعديلات على قانون الاستثمار لضمان عدم تدخل الحكومة في الأعمال.
استئناف التداول في سوق دمشق للأوراق المالية، واستعادة نظام التحويلات الدولي "سويفت" بعد سنوات من العزلة.
التوقعات المالية لعام 2026
على الرغم من هذه الإصلاحات، يرى الخبراء أن سوريا لا تزال في مرحلة استقرار اقتصادي جزئي، وليست مرحلة تعافي كامل. فهناك تحديات كبيرة تشمل:
نقص التمويل بين 250 و300 مليار دولار لإعادة الإعمار.
صعوبات الاندماج الكامل في النظام المالي الدولي.
غياب التخطيط الشامل لإعادة الإعمار.
احتمال إعادة إنتاج الفساد بأشكال جديدة رغم الإصلاحات.
مسار المصالحة الاجتماعية والعدالة الانتقالية
جهود التسوية الوطنية
أطلقت الحكومة الجديدة عمليات تسوية أمنية شملت تسوية أوضاع المجندين في جيش النظام السابق الذين لم يتورطوا في أعمال عنف، ودعوات لتسليم السلاح وحصره بيد الدولة.
الأحداث الدامية في الساحل السوري
في مارس/آذار 2025، شهد الساحل السوري أعمال عنف واسعة أسفرت عن مقتل نحو 1400 شخص، وفق تقارير، فيما أشارت مصادر أخرى إلى أكثر من 1500 قتيل. وأظهرت التحقيقات الأولية وجود انتهاكات جسيمة بحق المدنيين ارتكبها كل من قوات الحكومة الجديدة والمسلحين الموالين للنظام السابق.
أصدر الرئيس الشرع لجنة تحقيق وطنية، أصدرت تقريرها في يوليو/تموز، وحددت 265 متورطاً محتملاً.
تم تأسيس اللجنة العليا للسلم الأهلي لتعزيز الأمن والاستقرار في المناطق المتضررة، والاستماع إلى الأهالي لضمان الوحدة الوطنية.
الهيئات الوطنية الجديدة
في مايو/أيار، أصدر الرئيس الشرع مرسومين:
الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية: مكلفة بمحاسبة المسؤولين عن انتهاكات النظام السابق، وجبر ضرر الضحايا.
الهيئة الوطنية للمغيبين والمفقودين قسراً: مكلفة بتوثيق الحالات، كشف مصير المفقودين، وتقديم الدعم القانوني والإنساني لأسرهم.
اتفاقات الوحدة مع قسد
في مارس/آذار، تم توقيع اتفاق تاريخي مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) لإعادة دمج مؤسساتها المدنية والعسكرية ضمن الدولة السورية الموحدة، ما مثل خطوة مهمة نحو تحقيق وحدة وطنية وتكامل مكونات المجتمع.
التحديات الأمنية والعسكرية
الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة
منذ سقوط النظام السابق، نفّذت إسرائيل أكثر من 1000 غارة جوية، بينها هجمات دامية مثل "سهم باشان" وبيت جن.
التوغل البري في الجنوب أسفر عن السيطرة على مساحات واسعة، مع خرق اتفاقيات عام 1974.
الباحث وائل علوان يؤكد أن عام 2026 سيشهد محاولات مستمرة للتوصل إلى تفاهمات أمنية مع إسرائيل، مع مراعاة الضغوط الأميركية والدولية للحفاظ على الاستقرار الإقليمي.
التحديات الداخلية
صعوبات دمج "قسد" بالكامل في مؤسسات الدولة السورية.
دعوات انفصالية في محافظات الساحل والسويداء بسبب مخاوف أمنية وطائفية.
الحاجة لإدارة التنوع الاجتماعي والسياسي ضمن بيئة معقدة ومتعددة المكونات.
مسار عام 2026: التنمية والمصالحة
يتوقع الخبراء أن يكون عام 2026 اختباراً حقيقياً لقدرة الحكومة السورية على:
تحويل الفرص الاقتصادية والدبلوماسية إلى استقرار مستدام.
تحقيق توازن بين مصالح الداخل وتعقيدات الإقليم.
تعزيز المصالحة الوطنية والسلم الأهلي، بما يشمل التعارف بين السوريين، والحد من الانقسامات الطائفية.
إدارة التحديات الأمنية على الحدود مع إسرائيل، وضبط ملف دمج "قسد".
الإعلامي أيمن عبد النور يرى أن نجاح المصالحة يعتمد على:
تكوين فريق مهني لإدارة السلم الأهلي وتعزيز القيم الجامعة.
بث رسائل طمأنة والحد من الخطاب التحريضي والطائفي.
تمكين الإدارة من بناء ثقة بين مختلف المكونات الاجتماعية لتثبيت الاستقرار الداخلي.