تسليم السلاح الفلسطيني… مقاربة أمنية أم سياسية

2026.01.03 - 08:46
Facebook Share
طباعة

 لم يعد السلاح الفلسطيني داخل مخيمات اللاجئين في لبنان يُقرأ بمعزل عن التحولات العميقة التي تمر بها القضية الفلسطينية، ولا عن المتغيرات السياسية والأمنية في الداخل اللبناني. فالفصائل الفلسطينية التي حملت السلاح يوما في سياق الصراع مع إسرائيل تجد نفسها اليوم أمام واقع جديد، يتراجع فيه الدور العسكري لصالح أدوار سياسية وأمنية داخلية، في ظل انقسام فلسطيني متفاقم وتوازنات لبنانية شديدة الحساسية.

وتنظر الدولة اللبنانية إلى السلاح الفلسطيني من زاوية سيادتها وواجبها في بسط سلطتها على كامل أراضيها، معتبرة أن استمرار وجود السلاح خارج إطار الدولة يشكل ثغرة أمنية دائمة. غير أن مقاربة هذا الملف تصطدم بحساسية أوضاع المخيمات، وما يرافقها من مخاوف اجتماعية وأمنية من انفجار داخلي أو من تدخلات غير محسوبة النتائج.

وتقدم التجارب السابقة للمخيمات التي سلّمت سلاحها نموذجا مزدوج الدلالة؛ فمن جهة أسهمت هذه الخطوات في خفض منسوب التوتر وتعزيز التنسيق الأمني مع الدولة اللبنانية، ومن جهة أخرى كشفت محدودية الحلول الأمنية إذا لم تترافق مع خطوات سياسية واجتماعية تعالج مشكلات مزمنة، أبرزها الفقر والبطالة وغياب الحقوق المدنية للاجئين الفلسطينيين.

وفي هذا الإطار، بدأ الجيش اللبناني خلال الأشهر الماضية تنفيذ خطة مرحلية لاستلام السلاح الفلسطيني التابع لحركة فتح. ففي 21 أغسطس/آب الماضي، تسلّم الجيش السلاح من مخيم برج البراجنة في بيروت، تلاه تسلّم السلاح من مخيمات الرشيدية والبص والبرج الشمالي في مدينة صور في 28 من الشهر نفسه، ثم جاءت الدفعة الثالثة في 29 أغسطس/آب من مخيمات برج البراجنة ومار إلياس وشاتيلا.

وبين الأمن والسياسة وذاكرة الصراع الطويل، يبقى ملف السلاح الفلسطيني في لبنان اختبارا حقيقيا لقدرة مختلف الأطراف على إنتاج مقاربة متوازنة تتجاوز الحلول المؤقتة، نحو معالجة شاملة تحفظ أمن المخيمات واستقرارها، وتراعي في الوقت نفسه سيادة الدولة اللبنانية.


تنسيق مشترك
وفي هذا السياق، قال مسؤول العلاقات العامة والإعلام في مخيم عين الحلوة عبد الهادي أسدي إن تسليم السلاح جاء نتيجة طبيعية للتفاهمات التي أُنجزت بين الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزيف عون، إضافة إلى عمل اللجنة المشتركة التي انبثقت عن لقائهما، والتي أعقبها بيان رئاسي حدد الإطار العام لهذه الخطوة.

وأكد أسدي، في حديثه للجزيرة نت، أن العلاقة مع الدولة اللبنانية تقوم على تنسيق يومي ومستمر وعلى أعلى المستويات، بهدف معالجة أي إشكاليات قد تطرأ ميدانيا. وأوضح أن السلاح الذي جرى تسليمه يندرج ضمن فئة السلاح الثقيل المخزّن في المستودعات، والذي لم تكن له انعكاسات أمنية أو اجتماعية مباشرة على سكان المخيم، بل شكّل عبئا قديما وغير مستخدم.

وأشار إلى أن الاتفاق يشمل تسليم جميع الأسلحة الثقيلة في مختلف المخيمات، موضحا أن السلاح الذي تتولى منظمة التحرير الفلسطينية تسليمه هو حصرا سلاحها، فيما تنسق الفصائل الفلسطينية الأخرى بشكل مباشر مع الدولة اللبنانية، وليس عبر منظمة التحرير.


مقاربة شاملة
من جهته، اعتبر المسؤول الإعلامي لحركة حماس في لبنان وليد كيلاني أن ملف السلاح الفلسطيني لا يمكن مقاربته بمعزل عن بقية قضايا اللاجئين الفلسطينيين، مشددا على أن أي معالجة جدية يجب أن تندرج ضمن رؤية أمنية سياسية شاملة، تقوم على سلة متكاملة من الملفات.

وأشار كيلاني، في حديثه للجزيرة نت، إلى أن اللاجئ الفلسطيني يعاني أزمات مزمنة تتعلق بحق العمل والتملك والإعمار وملف المطلوبين، إضافة إلى تقليص خدمات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، منتقدا المقاربات الجزئية التي تركز على مسألة تسليم السلاح دون معالجة هذه القضايا مجتمعة.

ورأى أن الخطوات التي أقدمت عليها بعض الفصائل لن تؤدي إلى حل المشاكل اللبنانية، ولا إلى معالجة جوهر القضية الفلسطينية، مؤكدا أن الحوار يبقى المدخل الأساسي لأي حلول حقيقية تضمن الأمن والاستقرار داخل المخيمات ومحيطها.

وفي ما يتعلق بالسلاح، شدد كيلاني على أنه “لم يُستخدم قط ضد الجوار اللبناني”، معتبرا أنه يحمل رمزية سياسية مرتبطة بحق الفلسطينيين في العودة، وباستمرار الصراع مع إسرائيل إلى حين التوصل إلى حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية.

وأكد استمرار التواصل مع الجانب اللبناني، مشيرا إلى مساعٍ لعقد لقاء شامل يضم جميع الفصائل الفلسطينية، بهدف التوصل إلى رؤية لبنانية فلسطينية مشتركة لمعالجة مختلف الملفات، وفي مقدمتها ملف السلاح.


تسليم السلاح
بدوره، قال الكاتب والصحافي الفلسطيني محمد دهشة إن تسليم حركة فتح سلاحها الثقيل من مخيم عين الحلوة للمرة الثانية لا يُعد حدثا جديدا، بل يندرج ضمن المرحلة الخامسة من تنفيذ الاتفاق الذي جرى التوصل إليه عقب زيارة الرئيس الفلسطيني إلى بيروت في 21 مايو/أيار 2025.

وأوضح دهشة، في حديثه للجزيرة نت، أن أهمية هذه الخطوة تكمن في توقيتها، إذ جاءت بعد ثلاثة أشهر من آخر دفعة لتسليم السلاح في مخيمي عين الحلوة جنوبا والبداوي شمالا في 13 سبتمبر/أيلول 2025، وقبيل يوم واحد من انتهاء المهلة المحددة لتسليم السلاح جنوب نهر الليطاني، تنفيذا للقرار الدولي 1701 الذي أنهى الحرب بين إسرائيل وحزب الله.

وبحسب دهشة، يعكس هذا التطور قرارا واضحا باحترام سيادة لبنان وحقه في حصر السلاح بيد الدولة، ضمن مسار بسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية، بما في ذلك المخيمات.

وأشار إلى أن هذه الخطوة تعبّر عن رغبة السلطة الفلسطينية، التي تشكل حركة فتح عمودها الفقري، في فتح صفحة جديدة من التعاون والتنسيق اللبناني الفلسطيني، تمهيدا لإطلاق حوار رسمي حول إقرار الحقوق المدنية والاجتماعية والإنسانية للاجئين الفلسطينيين، متى توفرت الظروف السياسية والأمنية المناسبة في لبنان، في ظل الانقسام الداخلي والمخاوف من عدوان إسرائيلي جديد.

ولفت دهشة إلى أن لهذه العملية بعدا فلسطينيا إضافيا، يتمثل في إحراج أو تشجيع بقية القوى الفلسطينية، ولا سيما حركة حماس، على السير في مسار مماثل، في ظل الانقسام القائم حول هذه الخطوة وغياب التنسيق الشامل بين الفصائل.

وأشار إلى أن حماس أكدت مرارا أنها لا تمتلك سلاحا ثقيلا أو متوسطا، موضحا أن مشاركتها في معركة إسناد غزة من الجبهة الجنوبية اللبنانية تمت باستخدام سلاح حصلت عليه من المقاومة وأعادته بعد انتهاء المواجهات.


عقدة السلاح
من جانبه، رأى الكاتب والصحافي اللبناني خلدون شريف أنه لا خلاف على حق الدولة اللبنانية في المطالبة بتسليم السلاح الفلسطيني داخل المخيمات، معتبرا أن هذا السلاح فقد دوره في مواجهة إسرائيل، وبات خلال العقود الأخيرة، ولا سيما منذ أحداث مخيم نهر البارد عام 2007، يُستخدم إما في الاقتتال الفلسطيني الداخلي أو في مواجهات مع الجيش اللبناني.

وأشار شريف، في حديثه للجزيرة نت، إلى أن ملف السلاح الفلسطيني كان مطروحا منذ تأسيس لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني عام 2005، لافتا إلى أنه ترأس اللجنة بين عامي 2012 و2014، كما أن طاولة الحوار الوطني التي انعقدت في عين التينة عام 2006 شددت على ضرورة سحب السلاح الفلسطيني من خارج المخيمات وتنظيمه داخلها. غير أن تطورات كبرى، من حرب يوليو/تموز 2006 إلى معركة نهر البارد ثم اندلاع الأزمة السورية، أسهمت في تأجيل المعالجة الجدية لهذا الملف.

وأكد شريف أن القضية الفلسطينية في لبنان تتجاوز مسألة السلاح، لتشمل ملفات شائكة، أبرزها حق العودة، وتراجع دور الأونروا، إضافة إلى الحقوق المدنية، ولا سيما حقّي العمل والتملك.

وأشار إلى أن الانقسام الفلسطيني بات أكثر وضوحا بين السلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس وموفده الخاص نجله ياسر عباس من جهة، وبقية الفصائل الفلسطينية من حركتي حماس والجهاد الإسلامي إلى الجبهة الشعبية والقيادة العامة، وصولا إلى الفصائل الإسلامية، ولا سيما في مخيم عين الحلوة، المعروف بـ“عاصمة الشتات”، من جهة أخرى.

وختم شريف بالقول إن هذا الانقسام، وإن كان لا يبشر بالخير، يبقى قابلا للاحتواء، شرط توافر نيات جدية للتعامل مع الملف الفلسطيني ببعديه السياسي والإنساني، لا من زاوية أمنية فقط، وذلك من خلال دور فاعل لكل من لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني ومخابرات الجيش اللبناني.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 5 + 9