الزبيدي وتصعيد سياسي خارج التوافق الوطني

2026.01.03 - 07:57
Facebook Share
طباعة

 أعاد رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي طرح مشروع استقلال جنوب اليمن، من خلال إعلان ما وصفه بـ«مرحلة انتقالية» تقود في نهايتها إلى استفتاء عام، وذلك في توقيت بالغ الحساسية تشهده البلاد في ظل أزمات سياسية وعسكرية واقتصادية متراكمة.

ورغم تقديم الخطوة باعتبارها «إعلانا دستوريا» ومسارا منظما نحو تقرير المصير، فإنها تُقرأ على نطاق واسع باعتبارها تحركا أحاديا من مكون سياسي مشارك في بنية السلطة القائمة، موجها ضد هذه البنية نفسها، وهو ما يثير إشكالات قانونية وسياسية تتعلق بشرعية الإعلان وإمكانية تطبيقه فعليا على الأرض.


ملامح المرحلة الانتقالية
يتضمن ما يسمى بالإعلان الدستوري مرحلة انتقالية مدتها سنتان، قابلة للتمديد مرة واحدة، يتم خلالها الإعلان عن قيام دولة مستقلة بحدود «جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية» السابقة، وعاصمتها عدن. وينص الإعلان على أن تقوم الدولة المفترضة على نظام ديمقراطي مدني، قائم على الفصل بين السلطات، والإرادة الشعبية، ومبادئ الحكم الرشيد، على أن يُحسم شكل النظام السياسي عبر استفتاء عام بعد انتهاء المرحلة الانتقالية.

ويمنح الإعلان رئيس الدولة الانتقالية صلاحيات واسعة، بوصفه الرئيس المفوض بـ«استعادة الدولة»، ورئيس الحكومة الانتقالية، والقائد الأعلى للقوات المسلحة. كما ينص على تشكيل حكومة انتقالية وهيئة تشريعية من غرفتين، تتولى سن القوانين، وإقرار الموازنة، والتشريعات الخاصة بالمرحلة الانتقالية.

وتتضمن الخطة كذلك مسارا لإعداد دستور دائم عبر لجنة وطنية، يعقبه استفتاء شعبي، ثم إقرار قانون الانتخابات، وتنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية، لتنتهي المرحلة الانتقالية مع تسلم الرئيس المنتخب مهامه وفقا للدستور الجديد.


الإطار الدستوري والجدل القانوني
يثير الإعلان تساؤلات واسعة بشأن مدى توافقه مع الدستور اليمني، الذي ينص بوضوح على وحدة الدولة ويمنع أي توجه انفصالي أو تفكيكي. ويأتي ذلك في ظل جدل قديم حول مشروعية المجلس الانتقالي الجنوبي نفسه، الذي تأسس منذ عام 2017 على أساس طرح انفصالي، دون أن يحظى بسند دستوري معترف به.


الأسس التي يستند إليها الإعلان
يبرر الزبيدي قراره بالدخول في المرحلة الانتقالية بالاستناد إلى ما وصفه بـ«التفويض الشعبي والمسؤولية الوطنية»، إضافة إلى بيانات ومواقف صادرة عن قيادات ونخب وسلطات محلية في المحافظات الجنوبية. وفي هذا السياق، يسعى إلى إضفاء طابع مؤسسي على الخطوة، من خلال توظيف أدوات الدولة القائمة ومسؤوليها في الجنوب، وتقديم الانفصال كإجراء إداري ناتج عن توافق محلي.

ولم يغفل الخطاب الجانب المعيشي والاقتصادي، إذ جرى التركيز على تنظيم الإيرادات العامة عبر البنك المركزي في عدن بوصفه سلطة مستقلة، مع التأكيد على تحسين الأوضاع المعيشية وانتظام صرف المرتبات. ويرى مراقبون أن هذا التوجه قد يمهد لاستقلال مالي تدريجي، عبر عزل الموارد النفطية والضريبية في الجنوب عن الخزينة العامة للدولة، وتحويل الملف الاقتصادي إلى أداة لتعزيز الانفصال فعليا قبل أي استفتاء.


فرض الأمر الواقع
ينص الإعلان على أن المرحلة الانتقالية تنتهي بعد سنتين من تاريخ الإعلان، مع التأكيد على أن الإعلان الدستوري يصبح نافذا بشكل فوري في حال عدم الاستجابة للدعوات المطروحة أو تعرض الجنوب لأي اعتداءات. وتُفسَّر هذه الصيغة باعتبارها شرطا مفتوحا يمنح المجلس الانتقالي هامشا واسعا لتقدير الموقف، وتفعيل إعلان الاستقلال من طرف واحد في أي وقت يراه مناسبا.

وتعزز هذه الصياغة المخاوف من تحول المرحلة الانتقالية إلى أداة ضغط لفرض أمر واقع جديد، بدلا من كونها مسارا تفاوضيا متدرجا نحو تسوية توافقية.


أي جنوب يقصده الإعلان؟
يثير الحديث عن «استعادة دولة الجنوب» إشكالا إضافيا يتعلق بهوية الكيان المنشود وحدوده. فالتاريخ السياسي للجنوب يعرف أكثر من نموذج: الأول يتمثل في الدولة التي قامت بعد الاستقلال عام 1967 وضمت المحافظات الجنوبية والشرقية، بما فيها حضرموت والمهرة. أما النموذج الثاني فيعود إلى ما قبل الاستقلال، حين أُنشئ كيان اتحادي لم تكن بعض هذه المحافظات جزءا منه، وهو نموذج لطالما وُصف لاحقا بأنه يتعارض مع هوية دولة الاستقلال.


رد الحكومة اليمنية
قوبل إعلان الزبيدي برفض شديد من الحكومة اليمنية، التي اعتبرته خطوة أحادية تفتقر إلى أي أساس دستوري أو قانوني، ومحاولة لفرض واقع سياسي جديد خارج إطار التوافق الوطني. واعتبرت الحكومة أن المجلس الانتقالي لا يملك الصلاحية لإعلان فترة انتقالية أو اتخاذ قرارات سيادية، مؤكدة أن الإعلان لا يحمل أي قيمة قانونية ملزمة.

كما حذرت من أن أي مشروع لا يشمل كافة مكونات الجنوب ومحافظاته، وفي مقدمتها حضرموت والمهرة، من شأنه أن يُحدث تصدعات عميقة داخل القضية الجنوبية نفسها.


تحركات إقليمية ودعوة للحوار
في المقابل، برز تحرك سياسي يدعو إلى احتواء الأزمة عبر الحوار، بعد ترحيب المملكة العربية السعودية بطلب رسمي لاستضافة مؤتمر شامل في الرياض، يهدف إلى مناقشة القضية الجنوبية وجمع مختلف المكونات الجنوبية دون استثناء.

وأكدت الدعوة أن القضية الجنوبية قضية عادلة ذات أبعاد تاريخية واجتماعية، وأن معالجتها لا يمكن أن تتم عبر خطوات أحادية، بل من خلال الحوار ضمن إطار الحل السياسي الشامل في اليمن، وبما يضمن تطلعات أبناء الجنوب المشروعة، ويحفظ وحدة الصف، ويمنع الإقصاء وتكرار مظالم الماضي.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 3