جنوب لبنان: بين الحسابات العسكرية والسياسات الإقليمية

2026.01.02 - 03:04
Facebook Share
طباعة

جنوب لبنان ظل منذ نهاية حرب يوليو 2006 منطقة هدوء شكلي لم يُترجم إلى استقرار حقيقي فالهدنة لم تفكك جذور الصراع ولم تعالج أسبابه البنيوية ومع اندلاع الحرب في أكتوبر 2023 كشف الجنوب عن هشاشة استقراره وبات في انتظار التسويات السياسية والإقليمية والدولية على مدى تسعة عشر عاماً سُوّق الواقع على أنه استقرار بينما كان توازناً هشاً تحكمه حسابات الردع وتديره السياسة الإقليمية ومع نهاية عام 2025 انكشفت الأبعاد الحقيقية لهذا التوازن الهش بحسب مصادر لبنانية متابعة لتحولات الجبهة الجنوبية.
الوزير اللبناني الأسبق رشيد درباس يرى أن ما سُمّي استقراراً بعد 2006 لم يكن سوى هدوء مغشوش استُغِل لتعزيز النفوذ وبناء موازين قوة جديدة بدلاً من حماية الجنوب أو دعم الدولة في المقابل استغلت إسرائيل فترة الهدوء للتحضير لمواجهات لاحقة فيما اعتبر حزب الله الوضع فرصة لتعزيز قبضته العسكرية وتجاوز دور الدولة وقوات اليونيفيل ويضيف درباس أن لبنان فوّت فرصة ثمينة للتموضع الكامل تحت مظلة الشرعية الدولية وأن الخروج التدريجي من هذه المظلة انعكس على فعالية اليونيفيل التي لم تعد قادرة على أداء مهامها في ظل استهداف عناصرها وخطفهم وإهانتهم.
من الناحية العسكرية والسياسية يرى اللواء المتقاعد عبد الرحمن شحيتلي أن هدوء الجنوب بين 2006 و2024 كان كاذباً أخفى تحضيرات لحرب مؤجلة بين إسرائيل وحزب الله وما جرى بعد 2024 كشف الطبيعة الفعلية للوضع فحرب 2006 لم تحقق أهدافها لأي طرف ولم تنجح إسرائيل في إنهاء قدرات حزب الله ولم يحوّل الحزب نتائج الحرب إلى مكاسب سياسية داخلية أو إقليمية ما دفع الطرفين إلى مرحلة استعداد طويل الأمد للمعركة التالية شهد الجنوب خلالها تعزيز التحصينات من جانب حزب الله بينما جهزت إسرائيل بنك أهداف استخبارياً دقيقاً وراكمت ذخائر وخططاً عملياتية.
تطبيق القرار 1701 أسفر عن إنجازات ميدانية وأمنية خلال فترة الهدوء النسبي لكن هذه الإنجازات سقطت عملياً مع اندلاع الحرب الأخيرة وأظهرت الجهوزية الأميركية والغربية أن الصراع جزء من سياق إقليمي أوسع تُدار فيه الجبهة اللبنانية ضمن توازنات تتجاوز الداخل اللبناني مقارنة بين حرب 2006 والجولة الأخيرة تظهر فارقاً جوهرياً تمثل في نجاح الضربة الاستباقية الإسرائيلية في استهداف قيادة حزب الله وخطوط الإمداد وبنك الأهداف منذ البداية على عكس عام 2006 حين فشلت إسرائيل في تعطيل منظومة القيادة واستمرت خطوط الإمداد فاعلة ما أطال أمد الحرب ويشير شحيتلي إلى أن هذا التحول يعكس تغيّراً في فلسفة إدارة المواجهة من استنزاف طويل إلى محاولة حسم الإيقاع مبكراً مما يرفع تكلفة أي جولة لاحقة ويقلص هوامش الهدوء القابل للإدارة.
مطلع عام 2026 الجنوب لا يبدو أنه عاد إلى استقرار فعلي وانما إلى صيغة أكثر هشاشة فالعوامل التي حكمت الاستقرار بعد 2006 تغيّرت أدوات الحرب تطوّرت البيئة الإقليمية ازدادت تعقيداً والدولة اللبنانية باتت أضعف اقتصادياً ومؤسساتياً ما يجعل الاستقرار الأمني المستدام مرهوناً بقرار سياسي إقليمي ودولي واسع مرتبط بتسويات كبرى في مقدمتها مسار القضية الفلسطينية وطبيعة الدور الإقليمي لإيران وفي غياب ذلك سيبقى الجنوب ساحة لا استقرار. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 6 + 5