سوريا بعد الأسد: كيف زرع النظام الخوف في البيوت؟

2025.12.31 - 07:18
Facebook Share
طباعة

كشف التحقيق الاستقصائي لصحيفة وول ستريت جورنال، استنادًا إلى آلاف الوثائق الاستخباراتية التي عُثر عليها بعد فرار بشار الأسد إلى روسيا في ديسمبر 2024، عن منظومة مراقبة شاملة استخدمت “الوشاية” كأداة مركزية للحكم مستهدفة الأسر السورية وأقرب المقربين، حتى الأزواج والجيران، ما أسفر عن بيئة عامة من الشك وعدم الثقة المستدامة.
تجربة الإمام عبدو خاروف توضح هذا السياق المأساوي، إذ أدى اعتقاله في يوليو 2020 بناءً على شهادة ابن عمه المُجبَر على الإدلاء باعتراف تحت التعذيب إلى وفاته في زنزانة الفرع 215 دون وصول خبر لأسرة الضحية أو تسليم جثمانه. هذه الحادثة نموذج واضح لكيفية استغلال النظام لعلاقات العائلة والأقارب في أعمال التجسس والاعتقال مع تحويل كل نزاع شخصي أو عائلي إلى أداة قمع سياسية.
التحقيق يبيّن أيضًا أن التجسس لم يقتصر على المواطنين العاديين، وإنما شمل ناشطين ومقاتلين وزوارًا دبلوماسيين وموظفي الأمم المتحدة، واعتبر النظام جرائم بسيطة مثل انتقاد الدولة في المنزل، أو امتلاك دولارات، أو استخدام شريحة هاتف غير مسجلة مبررًا للاعتقال ما يظهر مدى وحشية الإجراءات وسيطرة الأمن على كل نواحي الحياة.
حالة الممثل فراس الفقير تُبرز البُعد النفسي والاجتماعي لهذه الممارسات حيث تحولت العلاقات الزوجية إلى أدوات رقابة مع تهديد المخابرات عبر تسجيلات منزلية وتوضح الوثائق كيف جعل النظام السوري كل مظاهر الحياة اليومية فرصة لملاحقة المواطنين وخلف إرثًا طويل الأمد من الريبة وانعدام الثقة المجتمعية.
من منظور تحليلي، هذه الحقائق تطرح أسئلة كبيرة حول إمكانية إعادة بناء الثقة والمساءلة في مجتمع تعرض لعقود من القمع المنظم حتى بعد سقوط النظام، ما يزال السوريون يواجهون تحديًا مزدوجًا: مواجهة آثار الخوف المنهجي وإعادة تأسيس روابط اجتماعية مدمرة، بينما تحاول الحكومة الجديدة التعامل مع ملفات انتهاكات واسعة ومعقدة، بينها آلاف المفقودين والمختفين قسريًا.
يبقى الدرس الأبرز أن القمع الممنهج، حين يُبنى على زرع الخوف بين المواطنين، ينتج مجتمعًا هشًا، حيث يصعب تمييز الحقيقة من الخيانة، ويصبح التراث الاجتماعي عبارة عن أرشيف من الريبة والمراقبة المتبادلة تصبح عملية الانتقال إلى دولة تحترم القانون وحقوق الإنسان مهمة شاقة ومعقدة. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 7