انفصلت جنوب السودان عن السودان عام 2011 بعد عقود من الحروب الأهلية والصراعات العرقية والسياسية التي خلفت ملايين القتلى والنازحين وتأسست الدولة الجديدة على أمل تحقيق السلام والاستقرار في واحدة من أفقر الدول في العالم لكن منذ الاستقلال واجهت جنوب السودان صراعات مستمرة بين الحكومة والمعارضة وكان النزاع بين الرئيس سلفا كير وزعيم المعارضة ريك مشار قد أدى لحرب أهلية استمرت خمس سنوات قبل توقيع اتفاق سلام عام 2018 وبرغم الاتفاق بقيت بعض المناطق مثل ولاية جونقلي مسرحًا للتوترات المسلحة بسبب ضعف الرقابة الأمنية وانتشار المليشيات المحلية والصراعات على الموارد الطبيعية ما يجعل المدنيين الأكثر عرضة للخطر.
مع استمرار الاشتباكات يواجه المدنيون خطر الإخلاء القسري والهجمات المباشرة مثل الغارة الجوية على سوق نيرول التي أوقعت عشرات القتلى والجرحى واستمرار المواجهات العسكرية يعكس هشاشة الاستقرار السياسي والاجتماعي في البلاد ويثير المخاوف من عودة الانقسامات العنيفة التي كادت أن تدمر الدولة الوليدة قبل سنوات.
إلى جانب الخطر الأمني، يبرز عامل اقتصادي بالغ الحساسية يتمثل في حقل هجليج النفطي الذي يعالج الجزء الأكبر من نفط جنوب السودان واستئناف عملياته بعد سيطرة قوات الدعم السريع يوضح الترابط الوثيق بين النزاع العسكري والمصالح الاقتصادية حيث يمكن أن يصبح النفط ورقة ضغط سياسية وأداة للتأثير على مسار الصراع الداخلي ويؤثر على قدرة الدولة على جمع الإيرادات الضرورية لتسيير الحكومة وتمويل الخدمات الأساسية.
سيناريوهات المستقبل تتراوح بين تصعيد أكبر يؤدي لانزلاق البلاد مجددًا نحو حرب أهلية شاملة تشمل مناطق أكثر وتطال المدنيين والاقتصاد وبين احتواء التصعيد بوساطة دولية أو اتفاق جديد يفرض وقف إطلاق النار ويعيد فتح الحوار بين الأطراف المتنازعة كما أن استمرار القتال في جونقلي قد يؤدي إلى نزوح واسع للمدنيين وزعزعة الاستقرار الأمني في ولايات مجاورة ويضع جنوب السودان أمام اختبار حقيقي لقدرتها على إدارة الصراع والمصالح الاقتصادية والإنسانية في وقت واحد ويبرز تحديًا للجهود الدولية المبذولة لدعم الدولة الوليدة وإرساء أسس السلام الدائم.