عام 2026 تمثل اختباراً حقيقياً لقدرة لبنان وسوريا على تحويل الزخم الديبلوماسي إلى نتائج ملموسة على الأرض بعد سنوات من التوتر والوصاية التي سيطرت على مجريات العلاقة بين البلدين.
في عام اتسم بالمتغيرات الإقليمية التي بدأت ترسم معالم التسويات الجارية على مستوى الدول العربية، شهدت العلاقة بين بيروت ودمشق منعطفاً يشي بالتفاؤل الحذر مع تولي أحمد الشرع مقاليد الحكم في سوريا بعد عقود من القطيعة والعداء السياسي وتقديم خطاب مختلف عن نهج الماضي في التعامل مع العواصم العربية ومن بينها بيروت.
البلدان يسعيان إلى مسار يتجاوز مجرد التقارب الدبلوماسي الروتيني إلى حوار سياسي يستحضر ذاكرة الماضي لمواجهة الملفات الثقيلة وإعادة كتابة قواعد الجوار على أساس الاحترام المتبادل والسيادة الوطنية مع قيادة جديدة في دمشق تعمل على بناء ثقة جديدة مع الجوار اللبناني.
عام 2025 شكل نقطة انطلاق فعلية لهذا التحول فقد قام رئيس حكومة تصريف الأعمال آنذاك نجيب ميقاتي بزيارة تاريخية لدمشق كانت الأولى لرئيس وزراء لبناني منذ أكثر من عقد وركزت الزيارة على البحث في القضايا الشائكة بما في ذلك الحدود البرية مكافحة التهريب وإنشاء لجان مشتركة لمتابعة الملفات الأمنية العالقة منذ سنوات.
مع تأليف حكومة جديدة استكمل رئيسها نواف سلام وزار دمشق رسمياً في خطوة وصفت بأنها تصحيح لمسار العلاقات وإعادة بنائها على أسس جديدة بعيداً عن التدخلات السابقة وتناولت الاجتماعات قضايا الحدود البرية مكافحة التهريب واستعادة الثقة وملف اللاجئين السوريين في لبنان الذي ظل من أكبر ملفات النزاع إضافة إلى ملفات الاغتيالات السياسية التي يربطها مراقبون بالنظام السوري السابق.
الزيارات الرسمية تزامنت مع رسائل دولية وإقليمية تعكس جدية التقارب فقد حضر الجانبان فعاليات عربية مشتركة وأكدا رغبتهما في تطوير التعاون وتعزيز العلاقات الثنائية أمام شركاء دوليين ما يعكس تحول العلاقة بين البلدين إلى جزء من استراتيجية أوسع لإعادة إدماج سوريا في المحيط العربي.
زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني لبيروت كانت الأولى لمسؤول رفيع منذ سقوط النظام السابق لتؤكد التغيير في نهج دمشق تجاه لبنان وقدمت تصريحات حول فرصة تاريخية لتحويل العلاقة من أطر أمنية ضيقة إلى شراكة سياسية واقتصادية تخدم شعبي البلدين كما أعلن تعليق عمل المجلس الأعلى السوري اللبناني واعتماد القنوات الدبلوماسية التقليدية لإعادة هيكلة العلاقات على أسس قانونية واضحة
رغم الدفع الدبلوماسي والإرادة السياسية تبقى الملفات العالقة ثقيلة ومعقدة بفعل قبضة النظام السابق التي استمرت لعقود على السلطة والقوى السياسية اللبنانية وهو ما أعاق التفكير المستقل خارج المصالح السورية السابقة.
أبرز الملفات على الطاولة تشمل ترسيم الحدود البرية والبحرية وحوار حول الموقوفين السوريين في لبنان الذين يقدّر عددهم بالآلاف ويتطلب الاتفاق القضائي المشترك تفاهمات دقيقة خاصة في قضايا الإفراج عن موقوفين متهمين بقتل عسكريين لبنانيين كما يشكل ملف اللاجئين والعودة المنظمة تحدياً اجتماعياً وسياسياً في ظل الأزمة الاقتصادية والضغوط الاجتماعية المتزايدة في لبنان مع وجود أعداد بدأت بالعودة إلى سوريا استعداداً للورش الإعمارية المقبلة.
ملف آخر يتعلق بالاتفاقات الثنائية التي تحتاج إلى تعديل لصالح التوازن بين الطرفين ويشكل تحدياً في سياق إعادة ضبط العلاقة الاقتصادية والسياسية بما يحقق مصالح البلدين.
يرى مراقبون أن سنة 2026 بوابة اختبار لقدرة لبنان وسوريا على تحويل الزخم الديبلوماسي إلى خطوات عملية تشمل الأمن الاقتصاد والسيادة وتضع حداً لأزمات الماضي وتفتح صفحة جديدة على أسس المصالح المشتركة مع احترام سيادة كل دولة ويظهر أن الفرصة متاحة بعد قرار قيادتي البلدين لطي صفحة الماضي وبدء مرحلة تعاونية جديدة.
المهمة صعبة بعد سنوات الوصاية والمعاناة الطويلة ويستلزم على اللبنانيين تقبل الواقع الجديد وعدم الانزلاق نحو نمط وصاية آخر كما يحتاج الطرفان إلى ضبط الملفات الحساسة والتعامل مع إرث الماضي بحكمة لتجنب أي توترات جديدة على صعيد الجوار العربي.