ما الذي يدفع نتنياهو إلى التردد أمام ترامب؟

2025.12.29 - 03:44
Facebook Share
طباعة

يشكّل الاجتماع الخامس بين رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال أقل من عام ظاهرة غير مسبوقة في العلاقات بين الطرفين ويكشف حجم القلق الذي يعيشه نتنياهو في هذه المرحلة الحساسة داخلياً وإقليمياً فهذه الوتيرة المرتفعة من اللقاءات لا تعكس متانة سياسية بقدر ما تعكس حاجة ملحّة لدى نتنياهو للاحتماء بالدعم الأميركي في مواجهة أزمات متراكمة وحروب مفتوحة وملفات لم ينجح في إقفالها رغم الكلفة البشرية والسياسية الهائلة
وقبيل الزيارة حاول نتنياهو تسويقها إعلامياً على أنها مخصصة لبحث ملفات غزة وإيران وحزب الله وسوريا إلا أن القراءة المتأنية تشير إلى أن الرجل يسعى بالدرجة الأولى إلى إعادة تعويم نفسه سياسياً عبر تصدير الأزمات إلى الخارج وجرّ واشنطن إلى تغطية خياراته التصعيدية تحديداً بعد فشله في تحقيق نصر حاسم في غزة وعجزه عن فرض وقائع مستقرة على الجبهات المحيطة بإسرائيل.
الملف التركي الذي يتجنب نتنياهو إظهاره إلى العلن يعكس بدوره مأزقاً استراتيجياً جديداً فصعود الدور الإقليمي لأنقرة يربك الحسابات الإسرائيلية ويقوّض احتكار تل أبيب للنفوذ في شرق المتوسط وهو ما يفسر القلق الإسرائيلي المتزايد من تنامي القدرات البحرية التركية ومن تحركات أنقرة في ملفات الطاقة والموانئ والتحالفات البحرية ورغم محاولات إسرائيل تعزيز شراكاتها مع اليونان وقبرص إلا أن هذه الخطوات تبدو دفاعية أكثر منها تعبيراً عن قوة أو ثقة بالمستقبل
وفي موازاة ذلك يحاول نتنياهو تسويق سردية الخطر الإيراني من جديد متحدثاً عن صواريخ ومناورات وتحركات إقليمية في محاولة واضحة لإقناع الإدارة الأميركية بأن إيران تعيد بناء نفوذها غير أن هذا الخطاب يفتقد المصداقية في ظل إدراك واشنطن أن نتنياهو يوظف التهويل الأمني لخدمة بقائه السياسي وأنه يستخدم منطق الحرب الدائمة كوسيلة للهروب من أزماته الداخلية ومن محاسبة الرأي العام الإسرائيلي.

في هذا السياق يبرز التناقض بين اندفاع نتنياهو نحو التصعيد وبين حذر ترامب الذي لا يبدو متحمساً لفتح مواجهة شاملة جديدة مع إيران ويدرك أن أي حرب واسعة لن تخدم المصالح الأميركية في هذه المرحلة ورغم أن ترامب معروف بتقلب مواقفه إلا أن الثابت أن واشنطن لا تشارك نتنياهو رغبته في إسقاط النظام الإيراني ولا في توسيع رقعة الفوضى الإقليمية من أجل مكاسب سياسية شخصية لرئيس حكومة يواجه أزمات ثقة واحتجاجات وانقسامات داخلية حادة.
أما في غزة ولبنان فيواصل نتنياهو سياسة الإبقاء على التوتر عند مستوى قابل للاشتعال في أي لحظة عبر ضربات محدودة واغتيالات ورسائل عسكرية مدروسة هدفها إبقاء المنطقة على حافة الانفجار وتكريس صورة القائد الذي لا يملك سوى الخيار العسكري ورغم كل ذلك فإن هذه السياسة لم تحقق لإسرائيل أمناً مستداماً وإنما عمّقت العزلة الدولية ووسعت دائرة الخصوم ورفعت كلفة المواجهة على المدنيين في مختلف الجبهات
ويكشف السلوك الإسرائيلي الأخير تجاه لبنان والمؤسسات الأمنية فيه عن محاولة خطيرة لتوسيع بنك الأهداف وتبرير أي عدوان مقبل عبر اتهامات جاهزة ومسرحيات إعلامية مرة أخرى نزعة نتنياهو إلى التصعيد بدل البحث عن حلول سياسية واقعية تحفظ الاستقرار الإقليمي.
يرى مراقبون أن نتنياهو في هذه المرحلة زعيماً مأزوماً يلهث خلف الدعم الأميركي ويستثمر في الخوف والحرب والتهديد المستمر كوسيلة للبقاء في السلطة غير آبه بتداعيات سياساته على المنطقة ولا حتى على المجتمع الإسرائيلي نفسه الذي يدفع أثماناً متراكمة من أمنه واقتصاده ومستقبله السياسي بينما تتغير خرائط النفوذ من حوله وتُعقد تسويات كبرى من دون أن يكون قادراً على التحكم بمسارها كما كان يتوهم. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 2 + 9