بين المحاسبة والاستقرار: كيف تُقرأ العقوبات البريطانية في السياق السوري؟

2025.12.28 - 02:32
Facebook Share
طباعة

 في ظل استمرار الحراك الدولي المرتبط بالملف السوري، ولا سيما ما يتصل بملفات حقوق الإنسان والانتهاكات المرتكبة بحق المدنيين، عادت بريطانيا إلى واجهة المشهد من خلال فرض حزمة جديدة من العقوبات المالية، استهدفت شخصيات وكيانات عسكرية سورية، في خطوة تعكس استمرار المقاربة الدولية القائمة على المحاسبة والمساءلة.

وشملت العقوبات ستة أفراد، من بينهم قادة فصائل عسكرية معروفة، وُجهت إليهم اتهامات بارتكاب انتهاكات بحق المدنيين خلال سنوات الثورة السورية، إضافة إلى تورط بعضهم في أحداث الساحل السوري خلال شهر آذار الماضي. كما ضمت القائمة ضباطًا سابقين في جيش النظام المخلوع، إلى جانب شخصيات قالت بريطانيا إنها متورطة في أنشطة مالية واقتصادية ساهمت في دعم النظام السابق.

كذلك طالت العقوبات ثلاثة كيانات عسكرية، في مؤشر واضح على أن الإجراءات لا تستهدف الأفراد فقط، بل تشمل البُنى التنظيمية التي يُعتقد أنها لعبت دورًا مباشرًا أو غير مباشر في الانتهاكات.

وتأتي هذه الخطوة في توقيت حساس، تشهد فيه الساحة السورية محاولات لإعادة ترتيب المشهدين السياسي والعسكري، بالتوازي مع مساعٍ دولية لتحقيق توازن دقيق بين الضغط السياسي من جهة، ودعم مسارات الاستقرار وإعادة البناء من جهة أخرى.


تحقيق ما طُلب من الحكومة السورية
العقوبات البريطانية الجديدة، التي أُعلنت رسميًا عبر مكتب تنفيذ العقوبات المالية التابع لوزارة الخزانة في 19 من كانون الأول الحالي، تعكس استمرار السياسة الدولية التي تعتمد الأدوات الاقتصادية والقانونية لمساءلة المتورطين في الانتهاكات، ولا سيما تلك التي وقعت خلال سنوات الصراع، إضافة إلى الأحداث التي شهدها الساحل السوري في آذار الماضي.

ويشير هذا التحرك إلى أن ملف الانتهاكات لا يزال حاضرًا بقوة على جدول الأعمال الدولي، إذ إنه ورغم التغيرات السياسية التي طرأت على المشهد السوري مؤخرًا، ومحاولات الاحتواء الدولي، فإن هذه العقوبات تحمل رسائل واضحة للحكومة السورية، مفادها أن مسألة المحاسبة لم تُطوَ بعد.

وتُقرأ هذه الخطوة على أنها متابعة دقيقة من المجتمع الدولي لما يجري داخل سوريا، ومحاولة لدفع الحكومة السورية إلى الالتزام بما طُلب منها، سواء فيما يتعلق بملفات التحقيق في الانتهاكات، أو في قضايا تتصل بضبط السلاح، وتنظيم العلاقة مع الفصائل العسكرية، ومعالجة ملفات الساحل والسويداء وغيرها.

كما تُفهم هذه العقوبات على أنها كانت متوقعة في هذا السياق، وأن الحكومة السورية تدرك طبيعتها وحدود تأثيرها، وهي قادرة على التعامل معها سياسيًا، في إطار ضغوط تهدف من جهة إلى دعم مسار الاستقرار، ومن جهة أخرى إلى دفع الحكومة لإعادة ترتيب أوراقها، لا سيما على مستوى العلاقات الاجتماعية والنسيج المجتمعي، ومنع تكرار الانتهاكات.


خلفية أحداث الساحل
اندلعت أحداث الساحل في السادس من آذار الماضي، على خلفية تحركات نفذها عناصر من جيش النظام السابق، استهدفوا خلالها قوات الأمن العام في ريف اللاذقية. وخلال ساعات قليلة، سيطرت مجموعات وُصفت بأنها من “فلول النظام” على مناطق في مدينتي اللاذقية وطرطوس، ما أدى إلى سقوط قتلى في صفوف الأمن العام.

ودفع ذلك وزارتي الدفاع والداخلية إلى إرسال تعزيزات عسكرية إلى المنطقة، تبعتها مؤازرات من فصائل مسلحة موالية للحكومة، إلى جانب مجموعات من المدنيين المحليين المسلحين، الأمر الذي أسفر عن وقوع انتهاكات واسعة بحق المدنيين، وأودى بحياة المئات على خلفيات طائفية، وفق تقارير متعددة.


رسائل ضغط للحكومة السورية
بالتوازي مع الطابع العقابي للعقوبات، حرصت الخارجية البريطانية على التأكيد على التزامها بالعمل مع الحكومة السورية، في رسالة مزدوجة تجمع بين الضغط والمقاربة السياسية، إذ شددت لندن على دعمها لمسار الانتعاش الاقتصادي في سوريا، والسعي نحو مستقبل أكثر استقرارًا وحرية وازدهارًا.

وترى أوساط سياسية أن التأثير المباشر لهذه العقوبات على الحكومة السورية يبقى محدودًا، وأنها لا تُعد عاملًا مؤثرًا في مسار العلاقات بين البلدين، بقدر ما تُستخدم كأداة ضغط سياسية لحث الحكومة على حماية المدنيين، وضبط سلوك الفصائل والقوى المسلحة.

وتحمل العقوبات رسالة واضحة حول الدور المتوقع من الحكومة السورية في هذه المرحلة، والمتمثل في تنقية مؤسساتها من العناصر المتورطة في انتهاكات بحق المدنيين، ولا سيما تلك المرتبطة بالمجازر التي شهدتها بعض المناطق. كما تؤكد أن الانتهاكات الأمنية لا تمر مرور الكرام لدى بريطانيا والمجتمع الدولي، حتى في ظل وجود علاقات إيجابية أو دعم سياسي.

وتعكس هذه الإجراءات أن مبدأ المحاسبة والمساءلة لا يزال قائمًا، حتى مع تحسن العلاقات أو رفع عقوبات سابقة، وأن أي تجاوزات مستقبلية قد تقابل بخطوات مماثلة.


ما المطلوب من الحكومة السورية؟
مع إعلان العقوبات البريطانية، تبرز مجموعة من المسؤوليات السياسية والقانونية الملقاة على عاتق الحكومة السورية، إذ لا تقتصر هذه العقوبات على بعدها الاقتصادي أو الدبلوماسي، بل تعكس إدانة دولية متزايدة لسجل الانتهاكات الإنسانية.

وعليه، يصبح من الضروري أن تتخذ الحكومة السورية خطوات جدية لمعالجة هذه الملفات، بما يشمل إعادة تنظيم العلاقة مع الفصائل والقوى العسكرية، وعدم التعامل معها ككتلة واحدة مغلقة، إضافة إلى فتح تحقيقات شفافة وجدية في الانتهاكات المنسوبة لأفراد وكيانات محددة.

كما يُنظر إلى ضرورة تقديم المتورطين في الانتهاكات إلى القضاء، بغض النظر عن مواقعهم أو مناصبهم، ولا سيما أن العديد من الانتهاكات، خاصة في أحداث الساحل، جرت على مرأى ومسمع الجميع، وظهرت في تسجيلات مصورة تداولها الرأي العام.

وتُعد هذه الخطوات اختبارًا حقيقيًا لمدى التزام الحكومة السورية بتعهداتها أمام المجتمع الدولي، وضبط الملفات الأمنية والعسكرية، بما يخدم وحدة البلاد، ويحمي المدنيين، ويعزز فرص الاستقرار على المدى البعيد.


عقوبات سابقة
يُذكر أن الاتحاد الأوروبي كان قد أدرج في وقت سابق شخصين وثلاثة كيانات على قوائم عقوباته المتعلقة بسوريا، على خلفية ارتباطهم بأحداث الساحل السوري في آذار الماضي.

ووفق قرار الاتحاد الصادر في 28 من أيار، فإن الكيانات المعاقَبة كانت مسؤولة عن انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان، شملت عمليات قتل تعسفي خلال أعمال العنف التي شهدتها المنطقة الساحلية.

كما شملت العقوبات كيانات عسكرية محددة، في حين لم تطل بعض القادة السابقين بشكل شخصي، بل اقتصرت على الأطر التنظيمية التي كانوا يقودونها، في إشارة إلى استمرار النهج الدولي القائم على استهداف البُنى المسؤولة عن الانتهاكات، سواء عبر الأفراد أو الكيانات.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 9 + 6