لا يمكن فصل المواجهات المسلحة التي اندلعت مساء الاثنين 22 ديسمبر/كانون الأول في مدينة حلب بين القوات الحكومية السورية ووحدات الحماية الكردية YPG عن زيارة وفد تركي رفيع المستوى إلى دمشق، حيث التقى الوفد الرئيس السوري أحمد الشرع لبحث ملفات أمنية وسياسية حساسة. ترأس الوفد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، وضم وزير الدفاع يشار غولر، ورئيس جهاز الاستخبارات إبراهيم قالن، إضافة إلى السفير التركي الجديد لدى دمشق نوح يلماز، الذي بدأ مهامه الدبلوماسية بالتزامن مع الزيارة المهمة.
كان العنوان الأبرز للزيارة ملف قوات سوريا الديمقراطية، خاصة مع قرب انتهاء المهلة الممنوحة لـ"قسد" لتفكيك بنيتها العسكرية وتنفيذ اتفاق 10 مارس/آذار مع الحكومة السورية، والذي ينص على دمج قواتها في الجيش السوري الحكومي. ومع انقضاء المهلة، تثار التكهنات بشأن مسار الأزمة: هل ستوافق "قسد" على تنفيذ الاتفاق، أم ستظل حالة الجمود هي المسيطرة؟ وما الخيارات التركية المتاحة في هذه المرحلة؟ وما مدى تأثير ذلك على عملية السلام الداخلية المعروفة باسم "تركيا خالية من الإرهاب"؟
اتفاق 10 مارس/آذار
في مارس/آذار الماضي، وقع الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد "قسد" مظلوم عبدي اتفاقًا لوقف إطلاق النار، ودمج قوات سوريا الديمقراطية في الجيش السوري. تضمن الاتفاق ثماني نقاط أساسية تشمل ضمان حقوق السوريين في التمثيل والمشاركة السياسية، وحماية حقوق المجتمع الكردي، وضمان عودة المهجرين إلى قراهم وبلداتهم، وهو ما تم فعليًا جزئيًا في مناطق مثل عفرين.
إلا أن النقطة الرابعة من الاتفاق، المتعلقة بدمج كافة المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سوريا ضمن إدارة الدولة، بما فيها المعابر والمطارات وحقول النفط والغاز، لم تُطبق حتى الآن، ولم تظهر أي مؤشرات على إمكانية التنفيذ قبل انقضاء العام 2025، بينما تسعى "قسد" لتمديد المهلة حتى مارس/آذار 2026. وتفسير دمشق لهذا التأجيل يتمثل في اعتبار ما تقوم به "قسد" مماطلة لكسب الوقت.
محاولات "قسد" لتفريغ الاتفاق
تصريحات قادة "قسد" مثل مظلوم عبدي وإلهام عمر تشير إلى رغبتهم في تفريغ الاتفاق من مضمونه، عبر الترويج لمفهوم "اللامركزية" الذي يُعد غطاءً للفدرلة الفعلية لشمال شرق سوريا، على غرار تجربة إقليم كردستان العراق، رغم أن الأوضاع الديموغرافية مختلفة بشكل جذري، حيث يشكل العرب أغلبية السكان، بينما لا يتجاوز الأكراد 30%.
الدعم الدولي والإقليمي لقسد
لا يمكن فهم مماطلة "قسد" دون الإشارة إلى الجهات الداعمة لها: الولايات المتحدة التي أسستها عام 2015 لمواجهة داعش، وتزودها بالمال والسلاح، وبالتالي بيدها إمكانية تفكيكها متى أرادت؛ إسرائيل التي يشكل تنسيق "قسد" معها عائقًا أمام المباحثات مع دمشق؛ بالإضافة إلى أطراف إقليمية ودولية تسعى لإفشال مشروع السلام الداخلي في سوريا وتركيا، وإبقاء مناطق شمال شرق سوريا تحت تأثير "تحالف الأقليات" السياسي، بما في ذلك التعاون مع حزب الله وبعض التيارات الانفصالية في السويداء ومناطق الساحل السوري.
الخيارات التركية
كانت تركيا تأمل أن يمثل سقوط نظام الأسد بداية لحسم خطر الانفصال في سوريا، إلا أن بعد مرور أكثر من عام على رحيل النظام، لا تزال الأمور معقدة بسبب مماطلة "قسد". تركيا تدرك أن أي تحرك عسكري ضد التنظيم يحتاج لتنسيق مع دمشق، كما أن الحسم العسكري يحمل مخاطر على عملية "تركيا خالية من الإرهاب"، خاصة في ظل وجود تيارات سياسية كردية داخل حزب المشاركة الشعبية والديمقراطية DEM تسعى لإفشال العملية.
تركيا أيضًا تتحسب للضغط الإسرائيلي والسياسات الأوروبية المضطربة، حيث تستمر بعض العواصم في احتضان أنصار التنظيم، رغم الخطاب الإيجابي تجاه أنقرة، ما يزيد من تعقيد أي قرار عسكري ضد "قسد".
التدخل الإسرائيلي
إسرائيل تعمل على خلط الأوراق في شمال شرق سوريا، في إطار تحالفاتها الإستراتيجية مع اليونان وقبرص، بهدف إضعاف كل من سوريا وتركيا في المنطقة، وهو ما يجعل من غير المرجح أن تصمت تل أبيب تجاه أي تحركات عسكرية حقيقية ضد "قسد".
رسائل "قسد"
المواجهات في حلب تزامنت مع زيارة الوفد التركي، وتعد رسالة من "قسد" بعدم قبول تنفيذ اتفاق مارس/آذار والاندماج في الجيش السوري على شكل أفراد وليس كتلة واحدة. كما تمثل محاولة لخلط الأوراق ودفع دمشق للرد بشكل غير محسوب، على غرار أحداث السويداء السابقة، وهو ما دفع الجيش الحكومي للاكتفاء حتى الآن بالرد المحدود على مصادر النيران.
مستقبل التنظيم
تنظيم حزب العمال PKK لم يكن ليقبل بحل نفسه دون الهزائم التي تلقاها في تركيا وسوريا والعراق منذ 2015. اليوم، قد يواجه "قسد" نفس التجربة لإدراك أن مشاريع الانفصال لم تعد مجدية، رغم الدعم الدولي والإقليمي المستمر. التحدي أمام أنقرة ودمشق ليس فقط في القدرة العسكرية على الحسم، بل في تنفيذها دون توسيع دائرة المواجهات مع مكونات أخرى، والتحسب للفوضى التي قد تحاول إسرائيل استغلالها لعرقلة نهاية التنظيم.