أثارت مادة منشورة في صحيفة رسمية سورية موجة واسعة من الجدل والاستياء، عقب اعتماد خريطة لسوريا في أحد المقالات، بدت منقوصة جغرافيًا، بعد أن غابت عنها محافظة القنيطرة بالكامل، اسمًا وحدودًا، في خطوة وُصفت بأنها غير مسبوقة من حيث الدلالة السياسية والرمزية.
الخريطة التي أُدرجت ضمن مادة رأي منشورة في عدد حديث من الصحيفة، جاءت مطابقة في شكلها العام لخرائط متداولة في الإعلام الإسرائيلي، مع حذف كامل لمحافظة القنيطرة، ما فتح الباب أمام تساؤلات حادة حول آليات التدقيق والتحرير، وحول الرسائل التي يمكن أن تحملها مثل هذه المواد في مرحلة سياسية شديدة الحساسية تمر بها البلاد.
وتأتي هذه الحادثة بعد فترة قصيرة من اعتماد جهات رسمية أخرى مواد بصرية مشابهة، ما عزز من حدة النقاش العام حول ما إذا كان الأمر خطأً مهنيًا متكررًا، أم انعكاسًا لتحول أعمق في الخطاب السياسي والإعلامي الرسمي المتعلق بالسيادة والحدود.
في السياق نفسه، شهدت الأسابيع الماضية تداولًا مكثفًا لحديث سياسي وإعلامي عن مسارات تفاوضية غير معلنة، تتعلق بترتيبات إقليمية واتفاقات تهدئة أو سلام، قيل إنها جرت برعاية دولية وبمشاركة وسطاء إقليميين. ورغم غياب أي إعلان رسمي واضح، إلا أن هذه الأحاديث أسهمت في رفع منسوب القلق الشعبي، خاصة مع تزامنها مع تغييرات لافتة في الخطاب الإعلامي والمواد المنشورة.
ويرى متابعون أن للخرائط دلالات تتجاوز كونها عناصر توضيحية، إذ تُعدّ في العمل الصحفي والسياسي وثائق رمزية تعكس موقف الدولة من الجغرافيا والهوية والسيادة. ومن هذا المنطلق، فإن أي تعديل أو حذف، سواء كان مقصودًا أو غير مقصود، يُفسَّر باعتباره رسالة سياسية، لا سيما في سياق النزاعات الحدودية المفتوحة.
كما أشار مختصون في الإعلام إلى أن استخدام خرائط غير دقيقة أو منقوصة يُعدّ إخلالًا بالمعايير المهنية، ويقوّض الثقة بالإعلام الرسمي، خاصة في القضايا السيادية التي تحظى بحساسية وطنية عالية. وأكدوا أن مسؤولية التحرير لا تقتصر على النصوص، بل تشمل المواد البصرية بكاملها، لما لها من تأثير مباشر في وعي الجمهور.
في المقابل، عبّرت شرائح واسعة من السوريين عبر منصات التواصل الاجتماعي عن رفضها القاطع لأي تمثيل بصري ينتقص من الجغرافيا السورية المعترف بها، معتبرين أن القنيطرة، بوصفها محافظة محتلة، تمثل رمزًا وطنيًا لا يمكن تجاوزه أو إغفاله تحت أي ذريعة.
ويحذّر مراقبون من أن الاستهانة بهذه التفاصيل قد تفتح الباب أمام تطبيع تدريجي مع وقائع مفروضة، تبدأ بالخرائط وتنتهي بتغييرات أعمق في الوعي الجمعي، مؤكدين أن الحفاظ على الثوابت الوطنية لا يقتصر على المواقف السياسية المعلنة، بل يتجسد أيضًا في التفاصيل الإعلامية اليومية.
وفي ظل غياب توضيح رسمي حتى الآن، تتصاعد الدعوات إلى مراجعة شاملة للسياسات التحريرية، وإعادة التأكيد على الالتزام بالخرائط المعتمدة تاريخيًا، بما ينسجم مع الدستور والهوية الوطنية، تفاديًا لمزيد من الجدل والانقسام في وقت تحتاج فيه البلاد إلى أعلى درجات التماسك الداخلي.