من دارفور إلى الخرطوم: تاريخ طويل من الفظائع

2025.12.23 - 09:11
Facebook Share
طباعة

 يختزل تاريخ السودان الحديث مسارًا طويلاً من العنف المنهجي، تداخلت فيه الصراعات السياسية مع الانقسامات العرقية والتدخلات الخارجية، وترك وراءه إرثًا ثقيلًا من المجازر وجرائم الحرب. هذا العنف لم يبدأ مع انفصال جنوب السودان، ولم يتوقف بعده، بل استمر بأشكال مختلفة، حاصدًا أعدادًا هائلة من الضحايا المدنيين، كثير منهم انتهى في مقابر جماعية ظلت لسنوات بعيدة عن الأضواء.

وقبل انفصال الجنوب، ارتبط شمال السودان وجنوبه بسجل واحد من الدماء، إذ لم يؤد ترسيم الحدود الجديدة إلى طي صفحة الصراع، بل أبقى آثار المجازر حاضرة في جسد الدولة، من خلال جثامين مدنيين قضوا في حروب غذّتها اعتبارات سياسية وعرقية معقّدة، وتداخلت فيها مصالح إقليمية ودولية.

دارفور… بداية واحدة من أكثر الفصول دموية

في هذا السياق، يُعاد تتبع جذور واحدة من أكثر المحطات دموية في تاريخ السودان الحديث، بالعودة إلى إقليم دارفور غرب البلاد. ففي عام 2003، اندلع تمرد مسلح ضد حكومة الرئيس السابق عمر البشير، في إقليم يتميز بتنوع ديموغرافي واسع يضم قبائل الفور والزغاوة والمساليت، إلى جانب قبائل عربية وأفريقية أخرى.

وسرعان ما تحوّل هذا التمرد إلى حرب مفتوحة، بعدما لجأت السلطة المركزية إلى تسليح مليشيات محلية عُرفت باسم “الجنجويد”، كان معظم عناصرها من قبائل عربية، ما فاقم الطابع العرقي للصراع.

ومع اتساع رقعة المواجهات، غرقت دارفور في دوامة من الفظائع، شملت إحراق القرى، وقتل المدنيين على نطاق واسع، وتهجير مئات الآلاف من السكان قسرًا. وحتى اليوم، لا تتوافر حصيلة دقيقة لعدد الضحايا، في ظل تداخل أسباب الوفاة بين القتل المباشر والجوع والأمراض والنزوح القسري.

مؤشرات مقلقة على ارتفاع الوفيات

غير أن مسحًا أجرته منظمة الصحة العالمية بين نازحي دارفور خلال عامي 2003 و2004 كشف عن ارتفاع لافت في معدلات الوفيات اليومية، لا سيما في ولايات غرب وجنوب دارفور، مقارنة بشمال الإقليم، ما عكس حجم الكارثة الإنسانية التي كانت تتكشف تدريجيًا.

ومع تصاعد الفظائع، تحرك المسار الدولي، فأحال مجلس الأمن الدولي في عام 2005 الوضع في دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية بموجب القرار رقم 1593. ولاحقًا، أصدرت المحكمة مذكرات توقيف بحق عمر البشير، شملت اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، قبل أن تضيف تهمة الإبادة الجماعية في عام 2010.

امتداد العنف إلى ما بعد دارفور

لم يبقَ العنف محصورًا في دارفور، بل امتد لاحقًا إلى ولايات أخرى مثل جنوب كردفان والنيل الأزرق، حيث تكررت أنماط الانتهاكات ذاتها. ودخل السودان مرحلة جديدة من الاضطراب عقب الاحتجاجات الشعبية التي أطاحت بعمر البشير في أواخر عام 2018.

وخلال تلك المرحلة، قُتل أو فُقد مئات المتظاهرين، ودُفنت جثث بعضهم دون تحديد هوياتهم أو معرفة مصائرهم، ما عمّق جراح الذاكرة الجماعية للسودانيين.

عودة المقابر الجماعية إلى الواجهة

ومع تعثر مسار الانتقال السياسي، وفض اعتصام القيادة العامة في الخرطوم، عادت المقابر الجماعية لتفرض نفسها مجددًا على المشهد. وتحدثت تقارير حقوقية عن محاولات ممنهجة للتخلص من جثث القتلى بهدف محو آثار الجرائم، بما في ذلك إلقاء بعض الضحايا في نهر النيل بعد تقييدهم بكتل إسمنتية.

وفي أبريل/نيسان 2023، انفجر الصراع على نطاق واسع بين رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان ونائبه محمد حمدان دقلو، لتدخل البلاد مرحلة جديدة من العنف بلغت فيها الفظائع مستوى غير مسبوق.

دلائل حديثة على مقابر جماعية

في مدينة الفاشر، كشفت تحليلات لصور أقمار صناعية، أجراها مختبر الأبحاث الإنسانية في كلية ييل للصحة العامة، عن مواقع يُشتبه بأنها مقابر جماعية قرب مستشفيات. واستندت هذه التحليلات إلى تغيّرات واضحة في لون التربة، ووجود مؤشرات تدل على دفن أجساد بشرية.

وبينما تتراكم الأدلة، يواصل ناجون الإدلاء بشهادات عن انتهاكات جسيمة طالت المدنيين، في وقت يواجه فيه ملايين السودانيين واقع النزوح القسري، والجوع، وانعدام الأمن.

وهكذا، تتسع دائرة المقابر الجماعية في السودان، لتغدو أحد أكثر الشواهد قسوة على حربٍ تتجدد فصولها باستمرار، وتخلّف وراءها فظائع لا يمحوها الزمن، ولا تسقط بالتقادم.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 1 + 2