قصة النفط التي فجّرت صراع واشنطن وكراكاس

2025.12.23 - 08:19
Facebook Share
طباعة

 أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب فتح ملف النفط الفنزويلي إلى الواجهة، بعد تصريحاته التي اتهم فيها كاراكاس بـ”سرقة النفط والأراضي والأصول الأميركية”، معتبرًا أن هذه الخطوات تبرر فرض حصار بحري كامل على ناقلات النفط القادمة والمغادرة من فنزويلا، في تحدٍ مباشر للعقوبات الأميركية.

وقال ترامب، في منشور على منصة “تروث سوشيال” بتاريخ 16 كانون الأول/ديسمبر الجاري، إن الحصار سيستمر “حتى تعيد فنزويلا إلى الولايات المتحدة كل النفط والأراضي والأصول الأخرى التي سرقتها سابقًا”، مضيفًا في تصريحات للصحفيين أن شركات النفط الأميركية طُردت من البلاد، وأن واشنطن تريد استعادة ما تعتبره حقوقًا ضائعة.

وتبنى مسؤولون مقربون من ترامب الخطاب نفسه، حيث وصف ستيفن ميلر، نائب رئيس موظفي البيت الأبيض ومستشار الأمن الداخلي، ما جرى بأنه “أكبر عملية مصادرة تعسفية مسجلة”، معتبرًا أن الأصول النفطية التي أممتها فنزويلا استُخدمت لاحقًا في تمويل الإرهاب وتهريب المخدرات، على حد وصفه.

أهمية النفط في الاقتصاد الفنزويلي

تعتمد فنزويلا بشكل شبه كامل على عائدات النفط، وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن أي حصار بحري طويل الأمد قد يشل المالية العامة للحكومة الفنزويلية. ورغم امتلاك البلاد واحدًا من أكبر احتياطيات النفط في العالم، إلا أن الإنتاج تراجع بشكل حاد نتيجة سوء الإدارة، والفساد، والعقوبات الأميركية المفروضة منذ سنوات.

وكان النفط لعقود طويلة مصدر الازدهار الرئيسي لفنزويلا، إذ سجلت مستويات معيشة مرتفعة مقارنة بدول المنطقة حتى ثمانينيات القرن الماضي. كما لعبت فنزويلا دورًا محوريًا في تأسيس منظمة الدول المصدرة للنفط “أوبك” عام 1960، بفضل جهود السياسي خوان بابلو بيريز ألفونسو.

الهيمنة الأجنبية وبدايات التأميم

خلال حكم الرئيس خوان فيسنتي غوميز، الذي امتد بين عامي 1908 و1935 بدعم من واشنطن، حصلت ثلاث شركات نفط أجنبية، اثنتان أميركيتان وواحدة بريطانية، على امتيازات واسعة مكّنتها من السيطرة على 98% من صناعة النفط الفنزويلية.

ولعقود، كانت فنزويلا ثاني أكبر منتج للنفط في العالم، وشكل النفط أكثر من 90% من صادراتها. ولم تقتصر استثمارات الشركات الأميركية على الآبار، بل شملت بناء مدن ومرافق خدمية كاملة للعاملين الأميركيين، حتى أصبحت الجالية الأميركية في فنزويلا من الأكبر خارج الولايات المتحدة بحلول الستينيات.

وفي عام 1943، أقرّت الحكومة الفنزويلية قانونًا يلزم الشركات الأجنبية بالتنازل عن نصف أرباحها للدولة، في خطوة اعتُبرت تمهيدًا لمسار التأميم الكامل. واستمر هذا التوجه حتى عام 1975، دون رد فعل أميركي حاد، في ظل حرص واشنطن على استمرار تدفق النفط الفنزويلي بأسعار منخفضة.

التأميم والسيطرة الحكومية

في عام 1976، تولت شركة النفط الحكومية “بيتروليوس دي فنزويلا” إدارة عمليات الاستكشاف والإنتاج والتصدير، بعد تأميم مئات الشركات الأجنبية، بما فيها أصول تعود لشركات أميركية كبرى مثل “إكسون موبيل”.

واكتمل المسار في عام 2007، حين فرض الرئيس الراحل هوغو شافيز سيطرة الدولة على آخر عمليات استخراج النفط في “حزام أورينوكو”، أحد أغنى الأحواض النفطية في العالم، إلى جانب تأميم قطاع الغاز الطبيعي.

وأدى ذلك إلى خسائر كبيرة للشركات الأميركية، التي كانت تسيطر على أكثر من 70% من الإنتاج، وقدرت خسائرها بنحو 5 مليارات دولار، فيما حصلت على تعويضات جزئية فقط.

نزاعات قانونية وعقوبات

لاحقًا، لجأت شركات أميركية مثل “إكسون موبيل” و”كونوكو فيليبس” إلى التحكيم الدولي، مطالبة بتعويضات ضخمة. ومنحت هيئات التحكيم هذه الشركات مليارات الدولارات، إلا أن الحكومة الفنزويلية لم تسدد كامل المبالغ بسبب الأزمة الاقتصادية الخانقة.

ومع وصول نيكولاس مادورو إلى السلطة، تراجع إنتاج النفط إلى أقل من مليون برميل يوميًا، تذهب غالبيته إلى الصين. وفي المقابل، تتهم إدارة ترامب حكومة مادورو باستخدام عائدات النفط في تمويل تهريب المخدرات والهجرة غير النظامية، دون تقديم أدلة موثقة.

التصعيد العسكري والسياسي

خلال الأسابيع الأخيرة، صعّدت واشنطن ضغوطها بفرض حصار بحري على ناقلات النفط الفنزويلية، والاستيلاء على عدد منها في البحر الكاريبي، ما أثار مخاوف من انزلاق الأزمة إلى مواجهة عسكرية.

ويرى محللون أميركيون أن خطاب ترامب يعكس مقاربة تجارية أكثر منها سياسية، في وقت أظهرت استطلاعات رأي معارضة غالبية الأميركيين لأي عمل عسكري ضد فنزويلا.

وبين اتهامات “السرقة” الأميركية وسردية التأميم الفنزويلية، يبقى النفط في قلب صراع سياسي واقتصادي مفتوح، تتداخل فيه المصالح الدولية مع تاريخ طويل من الهيمنة والنزاعات القانونية.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 3 + 5