شهدت مدينة حلب، صباح الثلاثاء 23 كانون الأول، حركة نزوح محدودة ومتقطعة من داخل ومحيط حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، عقب ليلة اتسمت بتوتر أمني واشتباكات متفرقة طالت عدة مناطق شمالي المدينة، وأعادت مشهد القلق إلى واجهة المشهد الحلبي بعد فترة من الهدوء النسبي.
ومنذ ساعات الصباح الأولى، بدأت عائلات بمغادرة منازلها في الحيين، متجهة إلى أحياء أكثر هدوءًا داخل المدينة، في خطوة احترازية دفعتها مخاوف من تجدد الاشتباكات أو توسع رقعتها خلال الساعات المقبلة. ولم يقتصر هذا التحرك السكاني على الشيخ مقصود والأشرفية فقط، بل امتد ليشمل أحياء قريبة من مناطق التماس، أبرزها حي الشيخ طه.
ويقول سكان محليون إن حالة الخوف لم تكن مرتبطة فقط بأحداث الليل، بل بما قد تحمله الساعات القادمة في ظل غموض المشهد الأمني، وغياب مؤشرات واضحة على تثبيت تهدئة طويلة الأمد. وأشار عدد منهم إلى أن مغادرتهم لمنازلهم جاءت بدافع حماية الأطفال وكبار السن، لا سيما بعد سماع دوي قذائف سقطت في محيط المنطقة.
في المقابل، فرضت الجهات الأمنية إجراءات مشددة منذ مساء الاثنين، تمثلت بمنع الدخول إلى حيّي الشيخ مقصود والأشرفية بشكل كامل، مع السماح بالخروج فقط، ما أدى إلى تعذر عودة العديد من السكان إلى منازلهم. وأُغلقت الطرق المؤدية إلى الحيين، وسط انتشار أمني كثيف في محيطهما.
هذا الواقع انعكس أيضًا على الأحياء القريبة، حيث شهدت منطقتا الليرمون ودوار شيحان شللًا شبه كامل في الحركة، وتوقفًا واضحًا للنشاطين التجاري والاقتصادي. وأُغلقت ورش ومعامل في المنطقة الصناعية بالليرمون، بعد منع الدخول إليها، ما أجبر العاملين على مغادرتها على عجل، وتعليق أعمالهم اليومية بانتظار اتضاح الصورة الأمنية.
وبالتوازي مع هذه التطورات، ساد هدوء نسبي في المدينة مساء الاثنين، عقب ساعات من الاشتباكات والقصف المتبادل بين قوات الجيش السوري وقوى الأمن الداخلي التابعة لقوات سوريا الديمقراطية. وتركزت التوترات في محيط الشيخ مقصود والأشرفية، إضافة إلى دواري الليرمون وشيحان شمالي حلب.
وترافق الهدوء مع معلومات عن وجود اتصالات ومفاوضات غير معلنة بين الطرفين، بهدف وقف إطلاق النار ومنع استهداف المناطق المدنية، بعد سقوط ضحايا مدنيين جراء القصف الذي طال أحياء سكنية في المدينة. ووفق المعطيات المتداولة، أسفر القصف عن سقوط أربعة قتلى وتسعة مصابين، معظمهم من المدنيين.
وفي إجراء لافت، أعلنت محافظة حلب تعطيل الدوام في جميع المدارس والجامعات العامة والخاصة، إضافة إلى الدوائر الحكومية ضمن مركز المدينة، يوم الثلاثاء، نظرًا للأوضاع الأمنية. واستُثني من القرار العاملون في القطاعات الصحية والخدمية والطوارئ، في محاولة لتخفيف المخاطر على المدنيين وضمان سلامتهم.
على المستوى السياسي، تصاعدت التصريحات المتبادلة بين الأطراف المعنية، وسط اتهامات متبادلة بخرق الاتفاقات السابقة، ولا سيما اتفاقي 10 آذار و1 نيسان، اللذين تضمنا ترتيبات أمنية خاصة بحيي الشيخ مقصود والأشرفية، إضافة إلى مسار دمج القوات العسكرية والأمنية.
وفي هذا السياق، شددت أطراف سياسية كردية على ضرورة التوصل إلى وقف إطلاق نار طويل الأمد، وتهيئة الأرضية لحوار سوري–سوري بعيدًا عن التدخلات الخارجية، معتبرة أن استمرار التصعيد يهدد أي تقدم في المسار السياسي، ويضاعف معاناة المدنيين.
ورغم الهدوء الحذر الذي خيّم على المدينة، صباح الثلاثاء، لا تزال حالة الترقب تسيطر على سكان حلب، في ظل مخاوف من هشاشة التهدئة، وعدم وضوح مستقبل الاتفاقات المعلنة. ويخشى كثيرون أن تعود الاشتباكات في أي لحظة، ما يضع آلاف العائلات أمام خيار النزوح مجددًا، في مدينة أنهكتها سنوات طويلة من الصراع.