تتواصل ظاهرة السلاح المنفلت في ريف دمشق، لتعيد إلى الواجهة هشاشة الأمن والازدواجية في التعاطي مع الجرائم. فقد شهدت مدينة قدسيا حادثة مروّعة، عندما أقدم أحد المتورطين، وهو نجل وزير سابق في عهد النظام ومنحدر من دير الزور، على إلقاء قنبلة يدوية أمام منزل طليقته أثناء وجود رجل داخل المنزل. الحادثة أسفرت عن حالة من الذعر في المنطقة وأكدت حجم الفوضى الأمنية التي تهدد المدنيين.
وعقب الواقعة، داهمت قوة من الأمن العام البناء الذي تقيم فيه طليقته، وعثرت داخله على مخدرات وسلاح وقنابل، ما يعكس خطورة انتشار السلاح خارج إطار القانون. وفي بيان لاحق، أُعلن عن القبض على عصابة بأسماء مشفرة، ما يثير تساؤلات حول التباين في كشف الأسماء والوجوه بين هذه الحوادث وغيرها من القضايا التي يتم فيها التشهير العلني بالمشتبهين عبر بيانات رسمية ومنصات التواصل.
ويرى مراقبون أن هذه الازدواجية تضر بالثقة العامة، إذ أنها توحي بإمكانية الحماية أو التمييز لبعض المتورطين، وتفتح الباب أمام الشبهات حول جدية الأجهزة الأمنية في التعامل مع الملفات المرتبطة بالسلاح غير القانوني. وفي هذا الإطار، يطالب ناشطون وحقوقيون بالكشف الكامل والصريح عن أسماء الموقوفين، لضمان المساواة أمام القانون وطمأنة المجتمع حول جدية الإجراءات.
من جهته، أوضح قائد الأمن الداخلي في ريف دمشق، العميد أحمد الدالاتي، أن وحدات الأمن، وبالتعاون مع قيادة الأمن الداخلي، نفذت عملية نوعية في قدسيا. وأسفرت العملية عن القبض على خمسة أشخاص، أُشير إليهم بالأحرف الأولى من أسمائهم: “إ.ث”، و“أ.ن”، و“م.ن”، و“م.ف”، و“ج.ه”، بتهم تتعلق بتهريب أسلحة لمجموعات خارجة عن القانون في السويداء ومناطق تحت سيطرة قسد، بالإضافة إلى خلايا مرتبطة بتنظيم داعش.
وأضاف الدالاتي أن العملية جاءت بعد معلومات دقيقة حول نشاط مشبوه داخل إحدى المزارع في المنطقة. ووفق البيان الرسمي، تم فرض طوق أمني حول المزرعة، وتنفيذ المداهمة التي أسفرت عن ضبط معدات خطيرة، بينها طائرات مسيّرة من نوع FPV مع ملحقاتها، ومواد متفجرة (TNT) بوزن طن ونصف، إضافة إلى عبوات مضادة للأفراد بوزن 2 كغ معدة للاستخدام في طائرات انتحارية.
وأشار قائد الأمن الداخلي إلى أن جميع المضبوطات صودرت، وأن الموقوفين أُحيلوا إلى الجهات المختصة لاستكمال التحقيقات تمهيدًا لإحالتهم إلى القضاء. وأكد أن العملية تمثل رسالة واضحة بأن الأمن لن يتهاون مع أي نشاط يهدد المدنيين أو يروج للسلاح غير القانوني، لكنها أيضًا تعكس حجم التحديات التي تواجه الأجهزة الأمنية في ريف دمشق، حيث تمتزج الجرائم الفردية مع تنظيمات مسلحة وجماعات خارج القانون.
وتثير هذه الحوادث مخاوف كبيرة حول تأثير السلاح المنفلت على السلامة العامة، خصوصًا مع غياب الشفافية الكاملة في كشف الأسماء والوجوه، ووجود ازدواجية في التعامل مع القضايا. فالاعتماد على الرموز والأحرف الأولى بدلًا من الكشف الكامل عن المشتبهين في بعض الحوادث، مقابل التشهير العلني في حوادث أخرى، يزيد من شعور المجتمع بعدم المساواة أمام القانون، ويضع الأجهزة الأمنية في مواجهة انتقادات متواصلة.
وفي الوقت الذي تنجز فيه القوات الأمنية مهامها الصعبة، يبقى السؤال الأبرز: كيف يمكن الحد من ظاهرة السلاح المنفلت وضمان تطبيق القانون بعدالة وشفافية، بما يحمي المدنيين ويعيد الثقة إلى الشارع في مناطق ريف دمشق؟ الإجابة، بحسب خبراء محليون، تتطلب استراتيجية أمنية واضحة، وتعاونًا بين المجتمع المدني والسلطات، مع عدم التمييز في عرض الأسماء والملفات لضمان العدالة والمساءلة.