شهدت مدينة حلب خلال الساعات الماضية تصعيدًا عسكريًا خطيرًا بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية “قسد”، قبل أن تتدخل الولايات المتحدة بشكل مباشر لفرض تهدئة عاجلة ومنع اتساع رقعة الاشتباكات، في تطور يعكس حساسية المشهد الميداني وتشابك العوامل الإقليمية والدولية في شمال سوريا.
وبحسب معلومات متقاطعة، مارست واشنطن ضغوطًا مكثفة على الطرفين لوقف الاشتباكات فورًا، عبر قنوات اتصال مباشرة مع قيادات ميدانية وسياسية، في محاولة لمنع انتقال المواجهات إلى مناطق أخرى في ريف حلب الشرقي أو محافظة دير الزور، حيث تنتشر قوات متعددة الولاءات.
وجاء هذا التدخل في وقت كانت فيه الاشتباكات قد اندلعت في محيط حيي الشيخ مقصود والأشرفية، إثر استهداف قنّاص تابع لـ“قسد” حاجزًا للأمن الداخلي قرب دوار الشيحان، ما أدى إلى تبادل إطلاق نار واستخدام أسلحة متوسطة، وسط أحياء سكنية مكتظة.
تهدئة تحت الضغط
مساء الإثنين، أصدرت قيادة أركان الجيش السوري أوامر بإيقاف استهداف مصادر النيران التابعة لـ“قسد”، بعد تحييد عدد منها، مع التشديد على حصر الاشتباكات بعيدًا عن المناطق السكنية. وأكدت وزارة الدفاع أن تحركات الجيش جاءت في إطار الرد على مصادر النيران فقط، دون أي محاولة لتغيير خطوط السيطرة أو توسيع نطاق العمليات.
في المقابل، أعلنت القيادة العامة لقوى الأمن الداخلي “الأسايش” في حلب إيقاف الرد على هجمات قوات الحكومة السورية، استجابة لاتصالات التهدئة الجارية، ما مهّد لعودة الهدوء الحذر إلى المدينة بعد ساعات من التوتر.
وأفادت مصادر ميدانية بأن مفاوضات غير معلنة جرت بين الطرفين بالتوازي مع الضغوط الأميركية، أسفرت عن تثبيت وقف إطلاق النار مؤقتًا، بانتظار استكمال الاتصالات السياسية الأوسع.
ثمن مدني باهظ
رغم التهدئة، خلّفت الاشتباكات خسائر بشرية مؤلمة في صفوف المدنيين. إذ قُتل طفل وسيدة، وأُصيب نحو سبعة مدنيين آخرين، جراء قصف مدفعي طال أحياء سكنية في مدينة حلب، ولا سيما في منطقتي الجميلية والشيخ طه، ما أدى أيضًا إلى اندلاع حرائق في عدد من المنازل.
كما طال القصف محيط مستشفى الرازي، ما أثار حالة من الذعر بين السكان والكوادر الطبية، ودفع فرق الدفاع المدني إلى التدخل السريع لإخماد الحرائق وإسعاف المصابين، في ظروف وُصفت بالصعبة والخطيرة.
استهداف فرق الإنقاذ
أكد وزير الطوارئ وإدارة الكوارث أن فرق الدفاع المدني تعرضت لاستهداف مباشر ثلاث مرات أثناء قيامها بمهامها الإنسانية، ما أسفر عن إصابة عنصرين من كوادر الوزارة خلال عمليات الإنقاذ. واعتبر أن استهداف فرق الطوارئ يشكل انتهاكًا خطيرًا للقانون الدولي الإنساني، ويمثل تهديدًا مباشرًا لحياة العاملين في المجال الإنساني ويعرقل جهود إنقاذ المدنيين.
وأوضح الوزير أن القصف وإطلاق النار في مناطق مأهولة بالسكان يعكس استخفافًا بحياة المدنيين، مؤكدًا أن الوزارة مستمرة في أداء واجبها رغم المخاطر.
قرارات استثنائية في المدينة
في ظل تدهور الوضع الأمني، أعلن محافظ حلب عطلة رسمية شاملة في المدارس والجامعات العامة والخاصة، إضافة إلى الدوائر الحكومية ضمن مركز المدينة، باستثناء المرافق الصحية والخدمية الطارئة، وذلك حفاظًا على سلامة الطلاب والموظفين.
وجاء القرار في وقت كانت فيه المدينة تعيش حالة من الترقب والقلق، وسط مخاوف من تجدد الاشتباكات في أي لحظة، رغم سريان التهدئة.
أبعاد سياسية أوسع
تشير المعطيات إلى أن التحرك الأميركي لا يقتصر على احتواء التصعيد العسكري فقط، بل يرتبط بمحاولات أوسع لدفع مسار تفاوضي بين الحكومة السورية و“قسد”، يتضمن بحث آليات دمج القوات العسكرية والأمنية ضمن ترتيبات جديدة، قبل نهاية العام الجاري.
وتكشف أحداث حلب هشاشة التفاهمات الميدانية، وسرعة انزلاقها إلى مواجهة مفتوحة، في ظل غياب حلول سياسية شاملة، واستمرار وجود قوى محلية ودولية متداخلة المصالح، ما يجعل أي تهدئة مؤقتة مرهونة بتوازنات دقيقة وقابلة للانفجار مجددًا.