لم يكن إلغاء ما عُرف بـ«قانون قيصر» لحظة انفراج نهائي في المشهد السوري، كما حاول البعض تصويره، بل مثّل انتقالًا مدروسًا من مرحلة العقوبات الصلبة إلى مرحلة أكثر تعقيدًا من الرقابة السياسية والمشروطية الأميركية. القرار، في جوهره، لا يفتح أبواب الخلاص بلا مقابل، بل يضع سوريا أمام اختبار طويل النفس، عنوانه الالتزام، وسقفه الكونغرس الأميركي.
خلال الأسابيع التي سبقت الإعلان، تكاثرت الإشارات القادمة من واشنطن. لقاءات غير معلنة، اتصالات مع دوائر قريبة من الإدارة الجديدة، وتحذيرات متكررة من أن الكونغرس لن يخرج من المشهد، حتى في حال تغيّر موقف البيت الأبيض. ورغم ذلك، بدا التعاطي الرسمي السوري باهتًا، إن لم يكن غائبًا، خصوصًا على مستوى التواصل مع كتل مؤثرة داخل مجلس النواب تضم أكثر من مئة نائب. هذا الغياب لم يكن تفصيلاً شكليًا، بل خطأ سياسيًا فادحًا، انعكست آثاره سريعًا في قرارات لاحقة، أبرزها توسيع نطاق منع الدخول ليشمل السوريين خارج البلاد، لا المقيمين داخلها فقط.
الرهان على علاقات جيدة مع رأس السلطة التنفيذية الأميركية، أو على تفاهمات مع شخصيات محددة داخل الكونغرس أو الأجهزة، لا يصنع سياسة خارجية مستقرة. فالولايات المتحدة، في نهاية المطاف، دولة مؤسسات، تتغير إداراتها وتبقى آلياتها. من لا يبني جسورًا متينة مع اللجان المؤثرة والتيارات العقائدية داخل الكونغرس، سيجد أن ما كسبه مع إدارة ما، قد ينهار مع أول تبدل سياسي. وهذا ما يفسر هشاشة المكاسب التي جرى الترويج لها بعد إلغاء قيصر.
في التاسع عشر من ديسمبر 2025، خرج أكثر من مئة نائب في مجلس النواب الأميركي، بقيادة النائبين الجمهوريين مارلين ستوتزمان وجوش بريشين، ببيان لا لبس فيه: إلغاء العقوبات ضمن قانون تفويض الدفاع الوطني للسنة المالية 2026 لا يعني منح دمشق تفويضًا مفتوحًا. القرار مشروط، خاضع للمراقبة، وقابل للتراجع الفوري إذا أُخلّ بالتعهدات.
اللغة التي استخدمها البيان لم تكن دبلوماسية مائعة، بل مباشرة وحادة. حماية الأقليات الدينية والعرقية في سوريا وُضعت في صلب الشروط، إلى جانب محاسبة المتورطين في الانتهاكات، ووقف أي عنف ذي طابع طائفي. هذه البنود لم تُطرح كشعارات أخلاقية، بل كمعايير قياس حقيقية ستُبنى عليها الخطوات اللاحقة.
وأكد الكونغرس بوضوح أن التزام الحكومة السورية الجديدة، برئاسة أحمد الشرع، بهذه الشروط هو الأساس لأي حديث عن استقرار أو سلام مستدام. وشدد على أن ما وُصف بالقتل الجماعي الذي طال مسيحيين ودروزًا وعلويين وأكرادًا يجب أن يصبح جزءًا من الماضي، لا في الخطاب السياسي فقط، بل على أرض الواقع. والأهم أن نوابًا أميركيين أعلنوا نيتهم إرسال وفود ميدانية إلى سوريا، مع تركيز خاص على السويداء، للتحقق من السلوك الفعلي لا من البيانات الرسمية.
هنا تسقط الفكرة الشائعة بأن قانون قيصر أُسقط بقرار رئاسي يمكن تجاوزه أو الالتفاف عليه. فالقانون صادر عن الكونغرس، والكونغرس وحده يملك حق إعادة تفعيله تلقائيًا إذا لم تُحترم الشروط. لذلك أُدرجت آلية «العودة التلقائية للعقوبات» كأداة ضغط دائمة، ورسالة واضحة بأن ما رُفع اليوم يمكن أن يعود غدًا، دون الحاجة إلى مسارات تشريعية معقدة.
وبينما انشغل الإعلام بالاحتفاء، كانت واشنطن تتحرك بهدوء. وزارة الخارجية الأميركية بدأت إبلاغ الكونغرس بخطط بعيدة المدى لإعادة التمثيل الدبلوماسي في دمشق، مع دراسة مواقع محتملة للسفارة خارج المناطق المكتظة، في إشارة صريحة إلى أن الملف الأمني ما زال عقدة أساسية. وزير الخارجية ماركو روبيو أوضح أن إغلاق السفارة ليس موقفًا سياسيًا بقدر ما هو قرار أمني، وهو تصريح يعكس حجم الحذر وانعدام الثقة.
في السياق نفسه، أعلنت بريطانيا إضافة تسعة أشخاص وكيانات جديدة إلى قوائم العقوبات، بينهم قادة فصائل وشخصيات مرتبطة بالقمع أو بتحقيق مكاسب من النظام السابق، مع تجميد كامل لأصولهم. الخطوة حملت رسالة واضحة: إلغاء قيصر لا يعني نهاية المساءلة، ولا أن الغرب يتحرك ككتلة واحدة في اتجاه التساهل.
المفارقة أن جزءًا من الرأي العام السوري، ومعه بعض المتابعين، انساق خلف ضجيج إعلامي متسرع، تجاهل نصوص القرارات، وقفز فوق الشروط، وتعامل مع السياسة الأميركية وكأنها رد فعل عاطفي أو ظرفي. بينما الواقع أكثر بساطة وقسوة في آن واحد: ما لم تُحمَ الأقليات فعليًا، وما لم تُحاسَب العناصر الأمنية المتورطة في أحداث الساحل والسويداء منذ الثامن من ديسمبر، وما لم يُترجم الكلام السياسي إلى إجراءات ملموسة، فإن قيصر لم يُدفن… بل ينتظر لحظة العودة.