شهدت مدينة حلب، مساء اليوم الإثنين، اشتباكات مسلحة متقطعة بين قوات من الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية “قسد”، تركزت في محيط حيي الشيخ مقصود والأشرفية، ما أعاد التوتر الأمني إلى واحدة من أكثر مناطق المدينة حساسية.
وبحسب المعطيات الميدانية، اندلعت الاشتباكات عقب استهداف قنّاص تابع لقوات “قسد” حاجزًا لقوى الأمن الداخلي قرب دوار الشيحان، الواقع على أطراف الحيين، الأمر الذي أدى إلى ردود نارية متبادلة بين الطرفين في المنطقة المحيطة.
وخلال التطورات ذاتها، سُجلت إصابة متطوعين من الدفاع المدني السوري بعد تعرضهم لإطلاق نار في محيط الاشتباكات، في حادثة أثارت حالة من الاستنفار والتحذير بين السكان المحليين. ودعا ناشطون مدنيون الأهالي إلى تجنب المرور عبر دوار الشيحان ومناطق التماس، محذرين من تعمّد استهداف آليات مدنية باستخدام سلاح القنص، ما يشكل خطرًا مباشرًا على حركة المدنيين.
وفي وقت لاحق من اليوم نفسه، أعلنت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث في سوريا عن إصابة اثنين من عناصر الدفاع المدني بجروح، جراء إطلاق نار استهدف مركبتهم بشكل مباشر أثناء عملهم في مدينة حلب. وأوضحت الوزارة في بيان رسمي أن سيارة إنقاذ من نوع “بيك آب”، تقل أربعة عناصر من الدفاع المدني يرتدون الزي الرسمي، وتحمل شارات واضحة تدل على طبيعتها الإنسانية، تعرضت لإطلاق نار أثناء توجهها إلى مقر مديرية الطوارئ في المحافظة.
ووفق البيان، أسفر الاستهداف عن إصابة عنصرين بجروح متفاوتة، جرى نقلهما على الفور إلى المستشفى لتلقي العلاج اللازم، في حين أكدت الوزارة أن استهداف فرق الدفاع المدني يُعد جريمة خطيرة وانتهاكًا صارخًا لمبادئ القانون الإنساني الدولي، لما يشكله من عرقلة لجهود إنقاذ المدنيين ويقوض تقديم الخدمات الإنسانية المنقذة للأرواح.
في السياق ذاته، نفت وزارة الدفاع السورية ما تروج له قوات “قسد” بشأن شن الجيش السوري هجومًا على مواقعها في حيي الشيخ مقصود والأشرفية. وأكدت إدارة الإعلام والاتصال في الوزارة أن قوات “قسد” هي من بادرت بالتصعيد، عبر مهاجمة نقاط انتشار قوى الأمن الداخلي والجيش في محيط حي الأشرفية بشكل مفاجئ، ما أدى إلى وقوع إصابات في صفوف عناصر الأمن والجيش.
وأضافت الوزارة أن وحدات الجيش السوري ترد على مصادر النيران التي تستهدف منازل المدنيين، وتحركاتهم، إضافة إلى نقاط انتشار القوات الأمنية والعسكرية في محيط الحيين، مشددة على أن الرد يندرج ضمن إطار حماية السكان وضمان الاستقرار.
ويأتي هذا التصعيد في ظل سوابق مشابهة شهدتها المدينة، إذ كانت حلب قد عاشت توترًا أمنيًا في تشرين الأول الماضي، بعد اندلاع اشتباكات بين قوات “قسد” وقوات من الجيش السوري والأمن الداخلي في المنطقة ذاتها. حينها، استهدفت قوات “قسد” محيط الحيين وحواجز الأمن الداخلي المنتشرة على أطرافهما، ما أسفر عن مقتل عنصر من قوى الأمن الداخلي وإصابة ثلاثة آخرين، قبل أن يُعلن لاحقًا عن وقف شامل لإطلاق النار عقب لقاء جمع وزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة مع قائد “قسد” مظلوم عبدي.
وتتزامن التطورات الميدانية الأخيرة مع حراك سياسي لافت، تمثل اليوم بزيارة وفد تركي رفيع المستوى إلى العاصمة دمشق، ضم وزير الخارجية هاكان فيدان، ووزير الدفاع يشار غولر، ورئيس جهاز الاستخبارات إبراهيم قالن. وقد تصدّر جدول أعمال اللقاءات ملف اتفاق العاشر من آذار مع قوات “قسد”، إلى جانب قضايا عودة اللاجئين، ومحاربة تنظيم “داعش”.
وخلال مؤتمر صحفي مشترك، أعلن وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني أن الرئيس السوري أحمد الشرع بحث مع الوفد التركي ملفات وصفها بـ”البالغة الأهمية”، شملت التعاون الاقتصادي والتجاري في ظل رفع العقوبات الأميركية، وتوسيع التنسيق الاستخباراتي والعسكري، إضافة إلى تسهيل عودة اللاجئين السوريين.
من جانبه، شدد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان على أن تنفيذ اتفاق العاشر من آذار بين الحكومة السورية وقوات “قسد” يُعد ضرورة أساسية، معتبرًا أن دمج “قسد” ضمن الجيش السوري سيكون في مصلحة جميع الأطراف. وأشار إلى أن الانطباع السائد لدى أنقرة هو أن قوات “قسد” لا تُظهر نية حقيقية لتنفيذ الاتفاق.
بدوره، أكد الشيباني أن اتفاق العاشر من آذار يعكس إرادة سورية واضحة لتوحيد الأراضي، إلا أن “قسد” لم تُبدِ حتى الآن جدية في التنفيذ، موضحًا أن الحكومة السورية قدمت مؤخرًا مقترحًا جديدًا لتحريك الاتفاق، وتلقت ردًا عليه يجري دراسته حاليًا.
وفي ظل هذه التطورات، تبقى الأوضاع في محيط الشيخ مقصود والأشرفية مرشحة لمزيد من التوتر، في وقت تتقاطع فيه الحسابات الميدانية مع المسارات السياسية، ما يضع مدينة حلب مجددًا في قلب مشهد معقّد مفتوح على احتمالات متعددة.