نبع السلام… استقرار مؤجل

2025.12.22 - 06:51
Facebook Share
طباعة

 تشهد مناطق “نبع السلام” في ريفي رأس العين (سري كانيه) وتل أبيض (كري سبي) تدهورًا متسارعًا في مختلف جوانب الحياة المعيشية والأمنية، ما حول هذه المناطق خلال السنوات الأخيرة إلى بيئة طاردة لسكانها، ودفع أعدادًا متزايدة من الأهالي، ولا سيما فئة الشباب، إلى التفكير بالهجرة أو النزوح كخيار اضطراري.

ومنذ التغيرات التي شهدتها المنطقة في خريف عام 2019، لم تنجح البنى الإدارية والخدمية القائمة في إرساء حدٍّ كافٍ من الاستقرار الاقتصادي أو الأمني، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على حياة السكان اليومية. ومع مرور الوقت، تحولت التحديات المؤقتة إلى أزمات مزمنة، تتقاطع فيها الضغوط المعيشية مع هشاشة الوضع الأمني وضعف المؤسسات.

وتتجلى الأزمة المعيشية بوضوح في تدني مستويات الدخل، حيث لا تتجاوز رواتب الموظفين المدنيين والعاملين في القطاعات الخدمية والأمنية سقوفًا محدودة، فقدت قيمتها الشرائية بفعل التضخم وارتفاع الأسعار. هذه الأجور باتت عاجزة عن تغطية الاحتياجات الأساسية، حتى لفترات قصيرة، في ظل ارتفاع تكاليف الغذاء، والمحروقات، والخدمات الصحية.

ويفاقم من صعوبة الواقع المعيشي تأخر صرف الرواتب لمدد طويلة، ما يضع الأسر أمام ضغوط إضافية، ويدفعها إلى الاستدانة أو الاعتماد على مصادر دخل غير مستقرة. ويؤكد سكان محليون أن هذه الظروف جعلت الاستمرار في العيش داخل المنطقة أمرًا بالغ الصعوبة، خاصة بالنسبة للأسر التي تعتمد على دخل ثابت محدود.

إلى جانب ذلك، تعاني مناطق “نبع السلام” من عزلة جغرافية متزايدة، نتيجة ضعف حركة الطرق والمعابر، ما أثر سلبًا على انسياب البضائع والمواد الأساسية، ورفع كلفتها، وأدى إلى نقص بعض السلع في فترات معينة. هذه العزلة انعكست كذلك على وصول المساعدات الإنسانية، وعلى حركة المرضى والطلاب، وزادت من شعور السكان بالتهميش.

وفي موازاة الضغوط الاقتصادية، يبرز الجانب الأمني كعامل أساسي في تفاقم الأزمة. إذ تشهد المنطقة حالة من الانفلات النسبي، تتمثل في انتشار السلاح، وتعدد الجهات المسلحة، وتكرار حوادث السرقة والاعتداء والخطف، وسط ضعف القدرة على الضبط والمساءلة. هذا الواقع الأمني الهش خلق حالة من القلق الدائم لدى السكان، وأضعف شعورهم بالأمان داخل مدنهم وقراهم.

ولا يقتصر التحدي على الجوانب المعيشية والأمنية فحسب، بل يمتد إلى بنية المؤسسات المدنية والإدارية. فتعاني الإدارات المحلية من ضعف في الأداء، وتداخل في الصلاحيات، وغياب آليات رقابة فعالة، ما أثر سلبًا على جودة الخدمات المقدمة، وعلى إدارة الموارد المحدودة أصلاً.

وقد انعكس هذا الخلل المؤسسي على سوق العمل المحلي، حيث تراجعت فرص العمل المستقرة، وتدنت أجور العمالة اليومية، ما دفع العديد من أصحاب الكفاءات إلى مغادرة المنطقة بحثًا عن فرص أفضل. ومع استمرار هذا النزيف البشري، باتت المؤسسات الخدمية تعاني من نقص في الخبرات، ما زاد من هشاشتها وعجزها عن تلبية احتياجات السكان.

ويرى متابعون للشأن المحلي أن استمرار هذا الواقع، دون تدخلات جادة، ينذر بتفاقم الأزمات الاجتماعية، وتسارع وتيرة الهجرة، خاصة بين فئة الشباب، الذين يجدون أنفسهم أمام مستقبل غامض في ظل انسداد الأفق الاقتصادي وغياب الاستقرار.

وتبرز في هذا السياق مطالب بضرورة اتخاذ خطوات عملية لمعالجة جذور الأزمة، تشمل تحسين مستويات الدخل بما يتناسب مع تكاليف المعيشة، وضبط الواقع الأمني، وتعزيز دور المؤسسات المدنية، إضافة إلى كسر العزلة الجغرافية عبر تنشيط حركة الطرق والمعابر، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية.

وفي ظل غياب حلول ملموسة حتى الآن، تبقى مناطق “نبع السلام” عالقة في دائرة من التحديات المتشابكة، التي تدفع سكانها تدريجيًا إلى مغادرة مناطقهم، وتقوّض فرص الاستقرار طويل الأمد، أو أي مساعٍ جدية لعودة النازحين واللاجئين، رغم مرور أكثر من خمس سنوات على التغيرات التي شهدتها المنطقة.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 3 + 8