أثار منشور رسمي صادر عن وزارة الخارجية والمغتربين السورية خلال الأيام الماضية نقاشًا واسعًا في الأوساط السياسية والإعلامية، بعد ملاحظة تغييرات لافتة على خريطة سوريا المرفقة بالمنشور، والتي جاءت ضمن تهنئة رسمية للشعب السوري بمناسبة إلغاء قانون “قيصر”.
المنشور، الذي نُشر بتاريخ 19 كانون الأول، تضمّن خريطة لسوريا بدت مختلفة عن الخرائط المعتمدة تقليديًا في الوثائق الرسمية السورية، حيث لوحظ غياب مناطق جغرافية تقع في الجنوب الغربي من البلاد، ما فتح باب التساؤلات حول دلالات استخدام هذا النوع من الخرائط في الخطاب الرسمي خلال المرحلة الحالية.
وبحسب مراجعة محتوى عدد من المنشورات الحكومية الصادرة مؤخرًا، لوحظ اعتماد خريطة تعكس حدود السيطرة الفعلية القائمة على الأرض، لا الحدود المعترف بها دوليًا للدولة السورية. ويُظهر هذا التمثيل الجغرافي تحريكًا للحدود نحو الشرق، بما يتوافق مع الواقع الميداني الذي فرضته التطورات العسكرية خلال العام الجاري.
ويأتي هذا التغيير في سياق مرحلة سياسية حساسة تمر بها البلاد، مع وجود حكومة انتقالية تحاول إعادة ترتيب علاقاتها الخارجية، وتقديم خطاب يركّز على الانفتاح الدولي، ورفع العقوبات، وإعادة إدماج سوريا في المحيطين الإقليمي والدولي.
ويرى متابعون أن استخدام خرائط تعكس وقائع السيطرة الحالية، بدلًا من الخرائط السيادية المعتمدة سابقًا، يحمل دلالات سياسية غير مباشرة، حتى وإن لم يكن مقصودًا أو مصحوبًا بتوضيح رسمي. فالخرائط، في السياق السياسي والدبلوماسي، لا تُعد مجرد عناصر بصرية، بل أدوات تعبير عن الموقف السيادي للدولة وحدودها المعترف بها.
وتكتسب هذه المسألة حساسية مضاعفة في الحالة السورية، نظرًا لتعقيد المشهد الجغرافي والسياسي، وتعدد مناطق النفوذ، ووجود أراضٍ تخضع لسيطرة أطراف خارجية. إذ إن أي تغيير في تمثيل الحدود، ولو كان ضمن منشور إعلامي، قد يُفسَّر على أنه انعكاس لتوجهات سياسية أو محاولة للتكيف مع الواقع القائم.
ولا يخفى أن المواطن العادي قد لا يلتفت إلى التفاصيل الجغرافية الدقيقة في الصور المرفقة بالبيانات الرسمية، إلا أن التدقيق في الخرائط يُظهر تغييرات ملموسة، تتعلق بمناطق في محافظتي ريف دمشق والقنيطرة، إضافة إلى محيط جبل الشيخ، وهي مناطق شهدت تحولات ميدانية خلال الفترة الماضية، ولم تعد متاحة للدخول أو الحركة المدنية.
وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن مساحة الأراضي الخارجة عن السيطرة السورية في هذه المنطقة قد اتسعت بشكل ملحوظ، مقارنة بالسنوات السابقة، ما يجعل مسألة تمثيلها على الخرائط الرسمية شديدة الحساسية، خاصة في ظل غياب أي إعلان رسمي يوضح المعايير المعتمدة في اختيار هذه الخرائط.
ويرى مختصون في الشأن القانوني والدستوري أن الدستور السوري، إلى جانب القوانين النافذة، يؤكد على وحدة الأراضي السورية وعدم جواز التنازل عنها أو الإقرار بأي تغيير دائم في حدود الدولة. ومن هذا المنطلق، فإن أي استخدام لخرائط لا تعكس الحدود المعترف بها دوليًا قد يفتح بابًا للتأويل، حتى وإن لم يكن مصحوبًا بقرار سياسي معلن.
وفي ظل هذا الجدل، تبرز مطالب بضرورة توضيح رسمي من الجهات المعنية حول طبيعة الخرائط المستخدمة في المنشورات والوثائق الحكومية، وما إذا كانت تعكس موقفًا سياسيًا، أو مجرد اعتماد تقني غير مقصود. كما يُطالب بضرورة الالتزام بالخرائط السيادية المعتمدة، تفاديًا لأي لبس أو تفسير قد يمس القضايا الوطنية الحساسة.
وتأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه الرأي العام السوري حالة من الترقب والحذر تجاه سياسات المرحلة الانتقالية، خصوصًا في الملفات المتعلقة بالسيادة، والحدود، والعلاقات الخارجية. إذ تُعد هذه القضايا من أكثر الملفات حساسية، ولا تحتمل الغموض أو الإشارات غير الواضحة.
في المحصلة، أعاد هذا المنشور تسليط الضوء على أهمية التفاصيل البصرية في الخطاب الرسمي، وعلى الدور الذي تلعبه الخرائط في التعبير عن المواقف السياسية، سواء بقصد أو من دونه. كما فتح نقاشًا أوسع حول كيفية إدارة الملفات السيادية في مرحلة انتقالية دقيقة، تتطلب وضوحًا عاليًا وتواصلًا شفافًا مع الرأي العام.