تتعامل إسرائيل في أعقاب أحداث 7 أكتوبر مع القضايا الأمنية بمنطق "الوقاية"، مما يدفعها إلى المبادرة المطلقة لصياغة بيئتها الأمنية جنوب سوريا بشكل مستقل. تعتمد هذه المقاربة على سلسلة من الانتهاكات المتكررة التي تعتبرها تل أبيب معيارًا للسيطرة، بدءًا من التضييق على السكان وتنفيذ حملات التفتيش والاعتقال، مرورًا بالضربات الجوية وعمليات التوغل، وصولًا إلى الاشتباكات المسلحة. ومن أبرز هذه العمليات ما حدث في بلدة بيت جن، حيث أسفرت المواجهات عن سقوط 13 قتيلًا نتيجة القصف الإسرائيلي.
الدور الروسي وإعادة نشر الدوريات
رغم التسريبات الإعلامية عن استعداد روسيا لطرح إعادة انتشار قواتها العسكرية جنوب سوريا، يبدو أن إسرائيل لا تبدي اهتمامًا بوجود قوة أخرى قد توازن سلوكها العسكري. الخبراء يرون أن إسرائيل تحرص على الحفاظ على هامش واسع للتحرك متى شاءت، دون أي التزام سياسي أو تفاوضي.
سبق للقوات الروسية أن انتشرت في ثماني نقاط عسكرية ضمن منطقة "فض الاشتباك" على طول الحدود بين الجولان السوري المحتل ومحافظة القنيطرة في تشرين الأول 2024. وأعادت روسيا خلال الأشهر الماضية طرح فكرة الدوريات الروسية كقوة فصل بين القوات السورية والإسرائيلية، إلا أن الحكومة السورية لم توافق بعد على الطلب الروسي، وفق ما ذكرته هيئة البث الإسرائيلية "كان" في 18 نوفمبر 2025.
الباحث والمحلل السياسي أيمن الدسوقي يرى أن هذه التصريحات والتحركات لا تتجاوز كونها بالون اختبار للمواقف التفاوضية للأطراف المعنية، مشيرًا إلى أن الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة في الجنوب السوري تعكس حرص تل أبيب على المبادرة والاعتماد على ذراعها العسكرية والأمنية دون الاستناد إلى أي قوة أخرى لضمان التفوق الاستراتيجي وحماية مصالحها.
وجهة نظر الخبراء
المحلل السياسي الروسي ديمتري بريجع يرى أن هذه الدوريات لن تكون فعالة ما لم تُدمج ضمن صيغة سورية جديدة تحترم تضحيات الشعب وتعزز فكرة الدولة الوطنية. فالتحركات الروسية بمفردها قرب الحدود لا تكفي إلا إذا كان الهدف النهائي إعادة الجيش السوري الوطني ليحمي الحدود تحت سلطة سياسية شرعية.
ويشير بريجع إلى أن إعادة الدوريات الروسية تعكس صراع النفوذ على مفاتيح الجنوب السوري؛ فإسرائيل تسعى لفرض وقائع جديدة تحت شعار الأمن والوقاية، بينما موسكو تسعى لإبراز قدرتها على لعب دور الضامن وضابط الإيقاع.
أما الباحث في "المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة"، نوار شعبان قباقيبو، فيقول إن الجيش الإسرائيلي لا يتبع أي منطق واضح، ويريد دائمًا الحفاظ على هامش للتحرك مهما كانت الاتفاقات الدولية أو المحلية. ويشير إلى أن إسرائيل أقامت منذ سقوط النظام السوري السابق في ديسمبر 2024 تسع نقاط عسكرية في المنطقة منزوعة السلاح، وتنفذ توغلات شبه يومية في ريف القنيطرة، مع تجريف الغطاء النباتي ورفع السواتر الترابية والتضييق على السكان.
قباقيبو يؤكد أن تمركز القوات الروسية خلف "خط الفصل 1974" في عهد النظام السابق كان يساهم في تثبيت الواقع وتأمين المنطقة، لكن أي إعادة تمركز حالية ستكون داخل منطقة أصبحت ميدان عمليات لإسرائيل، ما يحد من جدوى هذه الدوريات في السيطرة على الانتهاكات الإسرائيلية.
التوازن الأمريكي
الإعلام الإسرائيلي يشير إلى أن الولايات المتحدة تفرض حظرًا غير رسمي على الهجمات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، في إطار سياسة براغماتية تهدف إلى حماية مصالحها الأوسع. المحلل الروسي بريجع يرى أن واشنطن لا تمانع، مبدئيًا، في وجود روسيا كوسيط لضبط الاشتباك مع إيران والقوى الأخرى، لكنها لن تسمح بأن يصبح الجنوب السوري ورقة مساومة لموسكو في ملفات أوكرانيا والعقوبات والطاقة.
أيمن الدسوقي يرى أن الولايات المتحدة ترى في استعادة دور روسيا في الجنوب السوري فرصة لتثبيت الاستقرار الإقليمي، مستشهدًا بسابقة اتفاق الجنوب عام 2018، حين تمت استعادة المناطق الحدودية بعد تهجير مقاتلي المعارضة، على أن يكون الانتشار وفق الرؤية الأمريكية ودون تهديد أمن إسرائيل.
مكاسب روسيا
بحسب أيمن الدسوقي، روسيا تعتبر الجنوب السوري بوابة لإعادة تموضعها بعد سقوط النظام السوري، مما يعزز موقفها التفاوضي مع الحكومة السورية في ملفات القواعد العسكرية والمصالح الاقتصادية. كما تتيح موسكو لنفسها الاستفادة من دور الوسيط بين سوريا وإسرائيل لتحسين علاقاتها مع الولايات المتحدة والتأثير على ملف أوكرانيا بشكل غير مباشر، وفق نوار شعبان قباقيبو.
ديمتري بريجع يوضح أن روسيا تستخدم الجنوب على ثلاثة مستويات:
إقليميًا، لتقديم نفسها كقوة قادرة على ضبط الحدود للجانب الإسرائيلي والدول العربية.
دوليًا، لإظهار نفسها كشريك لا يمكن تجاوزه في الأمن شرق المتوسط.
محليًا، لتعزيز صورتها كراعي وضامن في مواجهة انهيار المنظومة السابقة في سوريا.