كمين الجنوب: قراءة جديدة لمعادلة الردع في سوريا

2025.11.29 - 09:42
Facebook Share
طباعة

 تشير المواجهة التي اندلعت في جنوب سوريا خلال الساعات الماضية إلى تحوّل لافت في طبيعة المشهد الأمني، بعدما اصطدمت القوات الإسرائيلية بحدث غير مألوف في المنطقة التي اعتادت التحرك فيها وفق تقديرات ترى أنها "مستقرة" ميدانياً. ويصف محللون هذا التطور بأنه أحدث ارتباكاً واضحاً في الحسابات الإسرائيلية، خاصة في ما يتعلق بقدرتها على فرض معادلة الردع التي اعتمدت عليها خلال السنوات الماضية.

ويرى محللان سياسيان، هما محمد القيق وعلي أبو رزق، أن ما وقع لا يمكن اختزاله في كونه حادثاً أمنياً معزولاً، بل يعكس حالة متزايدة من الرفض الشعبي للتوغلات والعمليات الإسرائيلية المتكررة في الجنوب السوري. ويشير القيق إلى أن هذا الحدث كشف عن ثغرات في تقديرات الجيش الإسرائيلي، الذي لطالما قدّم نشاطه في سوريا بوصفه نشاطاً "منخفض المخاطر" وقائماً على مراقبة دقيقة تمنع وقوع مفاجآت.

وبحسب تقديرات سياسية متداولة، فإن الكمين الذي تعرضت له القوات الإسرائيلية في نطاق كانت تعتبره آمناً نسبياً، يؤكد أن البيئة الأمنية في جنوب سوريا أكثر تعقيداً مما تبدو عليه. كما أظهر أن التحركات الإسرائيلية باتت تواجه سياقاً اجتماعياً يزداد حساسية تجاه أي نشاط عسكري داخل الأراضي السورية، في ظل مرحلة إعادة تعافٍ تشهدها الدولة السورية وتحظى باهتمام دولي متصاعد.

ويشير القيق إلى أن ما جرى وضع إسرائيل أمام ضغط دولي إضافي، إذ لم تعد عملياتها داخل سوريا محكومة بالسرّية التي طبعت نشاطها في السنوات السابقة، بل باتت جزءاً من نقاش علني يتابعه المجتمع الدولي الذي يراقب مستوى الاستقرار في البلاد. ويضيف أن هذا التطور يأتي في وقت تواجه فيه إسرائيل انتقادات في ساحات أخرى مرتبطة بملفات وقف إطلاق النار في لبنان وغزة، والوضع في الضفة الغربية.

ومن وجهة نظره، فإن هذه الأحداث قد تدفع تل أبيب إلى إجراءات أمنية أكثر تشدداً بهدف استعادة ما تعتبره "هامش المبادرة"، إلا أن ذلك لن يلغي حقيقة أن البيئة المحيطة بسوريا ولبنان وغزة باتت تتعامل مع التحركات الإسرائيلية بحساسية أكبر مما كان عليه الحال سابقاً.

أما الباحث السياسي علي أبو رزق، فيرى أن ما حدث في الجنوب السوري يعكس حالة تراكمية من السخط الشعبي تجاه النشاط العسكري الإسرائيلي في تلك المنطقة، مؤكداً أن مزاجاً عاماً بدأ يتشكل خلال الأشهر الماضية يرفض استمرار تلك العمليات. ويشير أبو رزق إلى ازدياد الدعوات الشعبية للتسلح والمواجهة، معتبراً أن هذا التطور يماثل ما شهدته مناطق أخرى في المنطقة، مثل غزة وجنين وجنوب لبنان، حيث أثبتت القواعد الشعبية أنها قادرة على إنتاج أشكال مقاومة مختلفة.

ويضيف أن التطور الأخير "لن يمر كما مرّ غيره"، وأن تل أبيب قد تجد نفسها أمام واقع جديد يتطلب إعادة تقييم طبيعة عملياتها داخل سوريا، خشية تشكّل مجموعات محلية قادرة على الحد من حرية حركتها. ويؤكد أن المشهد الأمني يتجه نحو مرحلة جديدة، قوامها صعود دور التفاعل الشعبي في تحديد حدود العمليات العسكرية داخل الأراضي السورية.

وتكشف المواجهة التي اندلعت في جنوب سوريا خلال الساعات الأخيرة عن تغيّر مهم في البيئة الأمنية التي تعتمد عليها إسرائيل في عملياتها داخل الأراضي السورية. فبينما كانت تل أبيب تنفّذ معظم نشاطها العسكري في سوريا ضمن هامش محسوب تعتبره "منخفض المخاطر"، جاء الكمين الأخير ليبيّن أن هذا الهامش أصبح أقل استقراراً مما كان عليه.


كيف ستتعامل إسرائيل مع الحدث؟
من المرجّح أن تعمد تل أبيب إلى ثلاثة مسارات:

تعزيز الاستطلاع الجوي والبري
لتقليل احتمال وقوع مفاجآت مشابهة، خصوصاً في المناطق القريبة من خطوط التماس.

تكثيف العمل الاستخباراتي داخل الجنوب السوري
لتحديث قواعد البيانات حول مناطق التحرك المحتملة، مع محاولة فهم أسباب التغيّر في البيئة المحلية.

التحرك دبلوماسياً لاحتواء الانتقادات الدولية
خاصة مع ارتباط الحدث بملفات أخرى يجري نقاشها عالميًا تتعلق بلبنان وغزة والضفة الغربية.


ورغم ذلك، يعتقد محللون أن استعادة "الإحساس بالسيطرة" لن يتحقق بسهولة، لأن التحدي أصبح شعبياً واجتماعياً بقدر ما هو أمني، وهو ما يجعل المشهد في الجنوب السوري مفتوحاً على احتمالات مختلفة.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 6