في سابقة غير مسبوقة في تاريخ ديوان المحاسبة، صدر حكم قضائي يُدين خمسة وزراء اتصالات سابقين بهدر المال العام، وإخفاء منافع غير مشروعة، وإتمام صفقات كلّفت الخزينة عشرات ملايين الدولارات. هذا القرار وُصف بأنه منعطف قضائي مهم قد يفتح الباب أمام ملاحقات مماثلة في ملفات أخرى ظلّت معلّقة لسنوات.
بداية التحقيق ومساره الطويل
بدأ التحقيق عام 2022، قبل أن يصدر التقرير الأول في آذار 2023، والذي كشف وجود مخالفات كبيرة في صفقات متعلقة بمبنى “قصابيان” في الشياح ومبنى شركة “تاتش” في الباشورة.
وتبيّن خلال التحقيق أن وزراء الاتصالات المتعاقبين أجروا تعاقدات مُكلفة تتعلق باستئجار مبانٍ ودفع ملايين الدولارات بدل إيجارات وتجهيزات من دون إشغال تلك العقارات إطلاقًا، رغم عدم الحاجة إليها أو عدم مطابقتها لشروط الاستخدام.
هذا المسار انتقل لاحقًا من تحقيق إداري إلى تحقيق قضائي، وانتهى في أيار 2023 بصدور قرار اتهامي بحق ستة وزراء. ومنحهم الديوان مهلة للدفاع، قبل أن يصدر الحكم النهائي في كانون الأول 2024 ويُعاد إلى الغرفة المختصة التي أصدرت قرارها الأخير بعد دراسة ملاحظات النيابة العامة.
مخالفات بملايين الدولارات… واستعادة ممكنة للمال العام
القرار النهائي، الصادر عن الغرفة الثانية في ديوان المحاسبة، حمل غرامات مالية مرتفعة وإلزامات مباشرة بإصدار سندات تحصيل بحق الوزراء المعنيين. ويُنظر إلى هذا الحكم بوصفه نافذة جدية لاستعادة قسم من الأموال المهدورة، مع احتمال صدور قرارات تماثله في ملفات أخرى جاهزة للبتّ.
وجاء مضمون القرار على الشكل الآتي:
1. نقولا الصحناوي – غرامة وإلزام بتحصيل نحو 8 ملايين دولار
تغريمه ما يعادل راتبه غير الصافي لمدة 12 شهرًا.
إلزام وزير الاتصالات بإصدار سند تحصيل بنحو 8 ملايين دولار.
السبب: إعادة تفعيل صفقة استئجار مبنى قصابيان رغم عدم الحاجة إليه، والموافقة على عقد رضائي دون مناقصة، ما أدى إلى هدر 10 ملايين دولار نتيجة عدم إشغاله.
2. جمال الجراح – غرامة وإلزام بتحصيل 11.3 مليون دولار
تغريمه ما يعادل راتبه غير الصافي لمدة 12 شهرًا.
إلزام بتحصيل 11.3 مليون دولار.
السبب: الموافقة على دفع 22.6 مليون دولار لتجهيز مبنى الباشورة خلافًا للعقد الأصلي، وبأسعار أعلى من السوق، ومن دون مناقصة، ولصالح شركة مرتبطة بمالكي العقار.
3. محمد شقير – غرامة وإلزام بتحصيل 11.3 مليون دولار
تغريمه راتب 12 شهرًا.
إلزام بتحصيل 11.3 مليون دولار.
السبب: إبطال عقد الإيجار وتنظيم عقد شراء المبنى بثمن مرتفع جدًا من دون تخمين، وعدم المطالبة باسترداد مبلغ 22.6 مليون دولار الذي سبق دفعه لاستكمال المبنى.
4. جوني القرم – غرامة وإلزام بتحصيل 4.9 ملايين دولار
تغريمه راتب 12 شهرًا.
إلزام بتحصيل 4.9 ملايين دولار.
السبب: توقيع عقد شراء على أساس خرائط معدّلة خفّضت المواقف من 237 إلى 114، أي نقص 123 موقفًا (يُقدّر ثمن الواحد منها بـ50 ألف دولار)، مع تقليص المساحات المتاحة.
5. طلال الحواط – تغريم ثم وقف تنفيذ العقوبة
تغريمه بالحد الأقصى المنصوص عليه في المادة 60 بسبب الإهمال في وضع إشارة البيع على عقار الباشورة، ما عرض الملكية للخطر.
لكن تنفيذ العقوبة أُوقف لعدم ثبوت سوء النية، ولأن نقل ملكية المبنى لاحقًا خفف الأضرار.
6. بطرس حرب – إعفاء من العقوبة
أُعفي من العقوبة لأنه فسخ عقد الإيجار في حينه، ما جنّب الخزينة خسارة تُقدّر بـ20 مليون دولار، رغم وجود ملاحظات سابقة حول عدم اتخاذ إجراءات إضافية بحق الشركة المشغِّلة.
أموال ضائعة… وحسابات يجب تحصيلها
أكّد الحكم أيضًا ضرورة استعادة 2.75 مليون دولار كانت قد دُفعت خلافًا للتعليمات، نتيجة رجوع رئيس مجلس إدارة شركة “ميك 2” عن قرار فسخ عقد الإيجار. كما ألزم وزارة الاتصالات ووزارة المالية بإبلاغ الديوان خلال شهر بالإجراءات المتخذة لتنفيذ الحكم.
ومن بين الالتزامات المباشرة الواردة في القرار، مطالبة وزارة الاتصالات بإعادة 123 موقفًا كان يفترض أن تبقى بتصرف شركة “تاتش” وفق عقد الإيجار الأصلي.
خطوة غير مسبوقة… وقرارات أخرى تنتظر
يعتبر هذا الحكم تحولًا مهمًا في مسار الرقابة على المال العام في لبنان، إذ يُعد الأول من نوعه الذي يصل إلى مستوى إدانة وزراء سابقين وتغريمهم ملايين الدولارات، وقد يشكل نموذجًا لملفات مشابهة يحقق فيها الديوان منذ سنوات، لكنها كانت تحتاج إلى قرار قضائي حاسم لإحياء المساءلة وكسر الحصانات السياسية.