حمص بين التحقيقات والاحتجاجات الشعبية

2025.11.26 - 08:45
Facebook Share
طباعة

 شهد حي الزهراء في مدينة حمص، يوم الثلاثاء، حالة من الحراك الشعبي على خلفية سلسلة الأحداث الأمنية التي شهدتها المدينة خلال الأيام الماضية. وخرج الأهالي في تجمعات طالبوا فيها بضرورة فرض الاستقرار ومنع تكرار الاعتداءات التي هزّت بعض المناطق. وتمحورت المطالب حول حصر السلاح بيد الدولة والأجهزة الأمنية، وتأمين المدنيين في الأحياء التي شهدت اضطرابًا أمنيًا ملحوظًا خلال اليومين السابقين.

وفي خطوة لافتة، التقى المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية، نور الدين البابا، المحتجين بشكل مباشر، في مقطع مصوّر متداول على مواقع التواصل، مؤكدًا أن حق التظاهر مكفول لجميع السوريين، وأن الوزارة ملتزمة بحماية المواطنين خلال التعبير عن آرائهم، ومشدّدًا على أن الأجهزة الأمنية تعمل على ضبط الأمن ومنع أي تجاوزات.


البابا: الوزارة تقف على مسافة واحدة من جميع المكونات
وأوضح البابا، عبر حسابه في تطبيق "تلغرام"، أنه قام بعدة جولات ميدانية داخل المدينة برفقة قادة الأمن الداخلي، وأن هذه الجولات شملت زيارة منازل عدد من الأهالي الذين تعرضوا لأحداث مؤسفة، من مختلف المكونات الاجتماعية.

وأكد المتحدث باسم الداخلية أن الوزارة تتعامل مع جميع المواطنين بالمعايير ذاتها، مضيفًا أن الحوار الذي جرى مع الأهالي كان إيجابيًا ومثمرًا، ولم يُسجَّل أي اعتداء خلال الاحتجاجات. وفي الوقت نفسه، دعا البابا إلى عدم الانجراف وراء دعوات خارجية وصفها بأنها تسعى للفتنة وإفساد النسيج المجتمعي، محذرًا من أن الانجرار خلف هذه الدعوات قد يؤدي إلى ردود فعل لا ترغب بها أي من المكوّنات.


ما الذي حدث في حمص؟
تعود شرارة التوتر إلى صباح الأحد، حين عُثر على رجل وزوجته مقتولين داخل منزلهما في بلدة زيدل، حيث وُجدت جثة الزوجة محروقة، كما ظهرت على جدران المنزل عبارات تحمل طابعًا طائفيًا. وعلى الفور، باشرت الجهات المختصة تطويق المكان، وجمع الأدلة، وفتح تحقيق موسع لمعرفة خلفيات الجريمة.

وقال قائد الأمن الداخلي في حمص، العميد مرهف النعسان، إن الأجهزة الأمنية بدأت التحقيق لكشف الفاعلين وملاحقتهم قضائيًا، مؤكدًا اتخاذ إجراءات احترازية لحماية المدنيين في المنطقة ومنع أي تفاقم في التوتر.

وبالتزامن، وقع هجوم مسلّح في حي المهاجرين داخل مدينة حمص، شنّته مجموعة من عشائر بني خالد، حيث أطلق المهاجمون النار بشكل عشوائي، واقتحموا عددًا من المنازل، وخرّبوا محالًا تجارية، ما أحدث حالة واسعة من الذعر بين الأهالي. وعلى إثر ذلك، فرضت الجهات الحكومية حظر تجوال مؤقتًا في المنطقة، وجرى تعليق الدوام المدرسي يوم الإثنين قبل أن يُستأنف مجددًا يوم الثلاثاء.


الداخلية: جريمة زيدل جنائية… ومحاولات استغلالها لإثارة الفتنة فشلت
أصدرت وزارة الداخلية بيانًا أكدت فيه أن جريمة زيدل جنائية بحتة، وأن العبارات الطائفية التي عُثر عليها في مسرح الجريمة كانت "مفبركة" بهدف إخفاء الدوافع الحقيقية للجريمة وإثارة انقسامات داخل المجتمع.

وأشار المتحدث باسم الوزارة إلى أن التحقيقات الأولية كشفت سياق الجريمة، وأن الأجهزة الأمنية تلاحق الفاعلين لضبطهم وتقديمهم للقضاء. وأضاف: "محاولات استغلال الحادث لإشعال الفتنة فشلت بفضل وعي أهالي حمص"، مؤكدًا أن التعامل مع القضية يتم وفق القانون بعيدًا عن أي توظيف سياسي أو طائفي.


هجوم المهاجرين… تفاصيل وتداعيات
عقب جريمة زيدل، تصاعد التوتر في مدينة حمص عندما قامت مجموعة مسلحة من عشائر بني خالد بتنفيذ هجوم على حي المهاجرين. شمل الهجوم إطلاق نار كثيفًا واقتحام عدد من المنازل، إضافةً إلى تخريب محال تجارية، مما دفع القوات الأمنية والعسكرية إلى الانتشار لاحتواء الموقف ومنع توسع الاشتباكات.

وسرعان ما تم فرض حظر تجوال لمدة يوم واحد، قُصد من خلاله حماية السكان ومنع امتداد العنف إلى أحياء أخرى، قبل أن يُرفع لاحقًا وتُعلن عودة الدوام المدرسي والأنشطة المدنية إلى طبيعتها.


تأكيدات على حق التظاهر… وتحذيرات من دعوات خارجية
في سياق متصل، جدّد المتحدث باسم وزارة الداخلية تأكيده على أن حق التظاهر مكفول لجميع السوريين، معتبرًا أنه "حق صانه تضحيات السوريين ودماء مليون شهيد" وفق تعبيره. وشدد على أن الوزارة تقف على مسافة واحدة من مختلف المكونات السورية، وأن الدولة تبقى "الضامن الوحيد" لحقوق المواطنين واستقرارهم.

وخلال الجولات التي قام بها وفد من قيادات الأمن الداخلي، التقى المسؤولون عددًا من الأهالي الذين عاشوا تفاصيل الأحداث الأمنية الأخيرة، وأكدت اللقاءات – بحسب الداخلية – أنها كانت "إيجابية" وشكلت مساحة لعرض المخاوف والمطالب، دون تسجيل أي احتكاكات.

إلى ذلك، حذّر البابا من دعوات وصفها بأنها خارجية ومغرضة، تهدف لإثارة الفوضى في بعض مناطق الساحل السوري، مشيرًا إلى أن الجهات التي تحاول الاستثمار في التوترات "موجودة خارج البلاد ومنفصلة عن واقع السوريين".

وأكد أن رفع عبارات طائفية في بعض التجمعات يشير إلى طبيعة الجهة التي تحاول استغلال الأحداث، داعيًا الأهالي إلى عدم الانجرار إلى مخططات لا تصب في مصلحة الاستقرار، ولا يريد أصحابها – بحسب قوله – سوى توريط المنطقة في حلقة جديدة من الفوضى.


ما الذي يعبّر عنه المشهد في حمص؟
1. هشاشة الوضع الأمني وتعدد مصادر التوتر
تكشف الأحداث الأخيرة أن بعض المناطق ما تزال عرضة لتوترات سريعة الاشتعال، سواء عبر الجرائم الجنائية أو عبر الهجمات العشائرية التي تحمل مخاطر توسعها إذا لم تُضبط بشكل فوري.

2. تداخل الطابع الأمني بالطابع الاجتماعي
الجريمتان الأخيرتان – القتل في زيدل والهجوم على المهاجرين – امتزج فيهما العامل الأمني بالبعد الاجتماعي، ما جعل رد الفعل الشعبي أكبر من مجرد حادثة معزولة.

3. حساسيات طائفية يتم اللعب عليها
ظهور عبارات طائفية مفبركة في مسرح الجريمة يشير بوضوح إلى وجود محاولات لتفعيل الشقاق الاجتماعي، وهو ما حذرت منه وزارة الداخلية مرارًا.

4. تعامل أمني مركّز… ومحاولة لطمأنة السكان
ووفق ما ظهر في الميدان، فإن قوى الأمن الداخلي حاولت احتواء التوتر بسرعة، من خلال الانتشار المكثف وتنظيم لقاءات مباشرة مع الأهالي لشرح ما يجري وطمأنتهم.
هذا النهج أعطى انطباعًا عامًا بأن الأجهزة تحاول تقديم نفسها كضامن لتحقيق الاستقرار ومنع الانفلات.

5. الاحتجاجات… بين التعبير المشروع والمخاوف من الاستغلال
رغم أن الاحتجاجات كانت سلمية في ظاهرها ومطالبتها تركزت على الأمن، فإن السلطات تخشى – بحسب تصريحاتها – من أطراف خارجية قد تستغلها لإثارة الانقسام، وهو سيناريو تستخدمه عدة جهات سياسيًا وإعلاميًا.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 9 + 9