الساحل السوري يغلي… احتجاجات، انتشار أمني، ومشهد معقّد!

2025.11.26 - 08:34
Facebook Share
طباعة

 شهد الساحل السوري، يوم الثلاثاء، 25-11-2025 واحدة من أكثر اللحظات السياسية والاجتماعية حساسية منذ سقوط النظام السابق، إذ خرجت في محافظتي اللاذقية وطرطوس مظاهرات واعتصامات متزامنة حملت مجموعة من المطالب؛ أبرزها الدعوة إلى اللامركزية والإفراج عن الموقوفين خلال الأشهر الماضية. وترافقت هذه التحركات مع انتشار أمني واسع، ثم أعقبها خروج مظاهرات مقابلة داعمة للحكومة السورية، ما خلق مشهدًا مركّبًا تتداخل فيه المخاوف الشعبية وهواجس الأمن وتوازن القوى داخل المناطق الساحلية.


سياق التحركات… من الدعوة إلى الممارسة
بدأت التحركات عندما استجاب عدد من الأهالي لنداء أطلقه الشيخ غزال غزال، رئيس “المجلس الإسلامي العلوي الأعلى”، ما دفع مجموعات قادمة من أرياف طرطوس واللاذقية إلى التجمع قرب دوائر السادات في اللاذقية، حيث بقي الاعتصام مستمرًا لساعات رغم تقلّص أعداد المشاركين لاحقًا.

توزّعت الاحتجاجات على نقاط عدّة في اللاذقية، أبرزها دوّار الزراعة ودوّار الأزهري، وسط إجراءات أمنية مكثّفة. كما شهدت طرطوس تجمعات مشابهة، وسط طوق أمني فرضته قوى الأمن الداخلي، التي اعتبرت أنّ وجودها يهدف إلى تأمين حركة المتظاهرين والمواطنين وحماية المرافق العامة.

ورُفعت في المظاهرات لافتات تطالب بإيقاف القتل وتعزيز اللامركزية الإدارية، إضافةً إلى المطالبة بإطلاق سراح المعتقلين، لا سيما أولئك الذين تمّ توقيفهم عقب سقوط النظام السابق.


الانتشار الأمني… بين تأمين الحشود ورصد التوترات
نقلت وسائل إعلام رسمية، من بينها “سانا” و“الإخبارية السورية”، صورًا تظهر انتشارًا واسعًا لقوى الأمن الداخلي في طرطوس واللاذقية، خصوصًا حول الدوّارات والمفارق الكبرى، بهدف ضمان استقرار الحركة ومنع أي احتكاك بين المتظاهرين أو بين المدنيين والمجموعات المتوترة.

وبحسب شهود وتقارير إعلامية محلية، لوحظ أن العناصر الأمنية حافظت على انضباط واضح، رغم التوتر الشديد في بعض النقاط وظهور محاولات للتحريض من قبل مجموعات مرتبطة بفلول النظام السابق، بحسب وصف مسؤولين أمنيين. وقد ظهر في عشرات الفيديوهات المنتشرة على مواقع التواصل أفراد من الأمن الداخلي يتعاملون مع التجمعات بهدوء رغم الصخب والهتافات المتوترة، في محاولة للحد من أي احتكاك مباشر.

ورغم ذلك، فقد شهدت بعض المناطق توترات غير متوقعة، خصوصًا في دوار الأزهري باللاذقية، حيث تم تسجيل اعتداءات على سيارات مدنية وآليات تابعة لشرطة المرور، واتُهمت مجموعات من “فلول النظام المخلوع” بالوقوف وراء هذه الأعمال – بحسب ما تداوله ناشطون وإعلاميون محليون.


مظاهرات مضادة داعمة للحكومة
بالتوازي مع الاحتجاجات الأولى، خرجت مظاهرات مقابلة في مدن عدة بالساحل، وخصوصًا في بانياس وجبلة، حيث رفع المشاركون شعارات تؤكد دعمهم للحكومة السورية ورفضهم أي مشاريع انفصال أو دعوات يُنظر إليها بأنها تهدد وحدة الدولة. وجاب العشرات الشوارع سيرًا وعلى الدراجات، في مشهد يعكس الاستقطاب الحالي داخل المجتمع الساحلي، الذي يجد نفسه أمام خلافات حادة في كيفية التعاطي مع المرحلة الانتقالية ومخرجاتها.


أحداث حمص… ارتدادات الساحة على الداخل السوري
لم يقتصر التأثير على الساحل؛ إذ شهد حي الزهراء في حمص احتجاجات مرتبطة بالتوترات الأخيرة. وطالب المحتجون بحصر السلاح بيد الدولة وضمان أمن المدنيين، قبل أن يزورهم المتحدث باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا، الذي أكد في تصريحاته أنّ حق التظاهر مكفول، وأن الوزارة تعمل لحماية الجميع على اختلاف توجهاتهم.

وأشار البابا إلى زيارات ميدانية قام بها مع قادة الأمن الداخلي لعدد من منازل الأهالي في المناطق التي شهدت اضطرابات، معبرًا عن حرص الوزارة على منع الفتنة والتحريض الطائفي، ومحذرًا من الانجرار وراء دعوات خارجية تستغل التوترات لتحقيق مصالح خاصة.


موقف الأمن الداخلي… رواية رسمية وتحذيرات واضحة
وفي أحدث التصريحات، أكدت وزارة الداخلية السورية تسجيل إصابات في صفوف الشرطة والمدنيين في اللاذقية، نتيجة إطلاق نار قالت إنه جاء من مجموعات مرتبطة بفلول النظام السابق. وذكر قائد الأمن الداخلي في المحافظة، العميد عبد العزيز هلال الأحمد، أن بعض الوقفات السلمية استُغلت لتحويلها إلى منصات تحريض طائفي، وأن قوى الأمن رصدت عناصر شاركت في الاعتداء على آليات رسمية وعناصر شرطة ومهام خاصة.

وأشار الأحمد إلى أن إطلاق النار الذي وقع قرب دوار الزراعة مصدره حي الزراعة، الذي يقيم فيه عدد من الضباط المرتبطين بالنظام السابق. وأكدت الداخلية أنها ستلاحق قانونيًا كل من شارك في الاعتداءات أو عمل على التحريض الطائفي أو بث الفوضى، مشدّدة على تمسكها بحق السوريين بالتظاهر السلمي مع حماية السلم الأهلي.


ما الذي يعكسه مشهد الساحل اليوم؟
تحمل احتجاجات الساحل رسائل متعددة:

1. انقسام اجتماعي واضح
يتجلى الانقسام بين فئتين:
فئة تطالب باللامركزية وإطلاق سراح المعتقلين، وترى أن المرحلة تتطلب إعادة صياغة علاقة السلطة بالمجتمع.
وفئة أخرى تتخوف من أي دعوات تُفهم باعتبارها نزعات انفصالية أو تهديدًا لوحدة البلاد.

2. حضور أمني واضح لكن محسوب
على الرغم من التوتر، بدا أن الأجهزة الأمنية تحاول التعامل مع المظاهرات الناشئة بحساسية عالية، خشية انزلاقها إلى مواجهات. وهذا ما يفسر الطوق الأمني المحكم حول مناطق التظاهر، والظهور الهادئ للعناصر رغم الاستفزاز أحيانًا.

3. مخاوف حقيقية من محاولات استغلال الاحتجاجات
بحسب الرواية الرسمية وما ذكره مسؤولون أمنيون، هناك مخاوف من وجود مجموعات تسعى لركوب موجة الاحتجاجات، سواء من فلول النظام السابق أو من جهات خارجية، وهو ما يفسّر اللهجة التحذيرية التي ظهرت في بيانات الداخلية.

4. حساسية الساحل كمنطقة ذات ثقل عسكري واجتماعي
الساحل السوري يحمل خصوصية تاريخية واجتماعية وسياسية، وأي تحركات فيه تكتسب أهمية مضاعفة. لذلك بدا التعاطي الرسمي أكثر حذرًا في محاولة لحماية المدنيين ومنع تحول الحراك إلى مواجهة مفتوحة.

5. مشهد غير مستقر… لكنه ليس منزلقًا
حتى اللحظة، لا يبدو أن المشهد يتجه نحو تصعيد واسع، بل نحو سلسلة من الاحتجاجات المتفرقة التي تحاول الأجهزة الأمنية ضبطها ومنع تأثير الجهات المحرضة عليها، مع إبقاء الباب مفتوحًا أمام أشكال من الحوار الاجتماعي، كما ظهر في زيارة متحدث الداخلية إلى حمص.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 10 + 8