تشهد الجالية السورية في ألمانيا حالة من القلق والارتباك إثر النقاشات السياسية حول إمكانية العودة الطوعية إلى سوريا. هذا الجدل لم يعد محصورًا في أروقة البرلمان أو وسائل الإعلام، بل تسلل إلى المنازل والمدارس وأماكن العمل، وأصبح جزءًا من حياة السوريين اليومية، بما في ذلك الأطفال الذين بدأوا يطرحون أسئلة عميقة حول مستقبلهم.
"أمي، هل سنعود الآن إلى سوريا؟"، سؤال بات يطرحه الأطفال في الأونة الأخيرة، ليعكس شعورًا جماعيًا بالقلق لدى السوريين الذين يعيشون على أرض ألمانية منذ سنوات طويلة. هذا السؤال لم يعد مجرد استفسار بريء، بل رمز للضغط النفسي الذي يتعرض له الجيل الناشئ نتيجة الجدل السياسي.
الأطفال بين الخوف والانتماء
وفق شهادات من الجالية، بات العديد من الأطفال يخشون التحدث بالعربية في المدارس الألمانية، خشية التعرض للتنمر أو التمييز. في المقابل، هناك مبادرات محلية داعمة للاجئين تؤكد لهم أنهم جزء من المجتمع الألماني، ما يخلق نوعًا من التوتر النفسي بين الشعور بالاندماج والخوف من فقدانه.
ثلث السوريين المقيمين في ألمانيا هم أطفال وشباب تحت سن 18 عامًا، أي أن هناك جيلًا كاملًا نشأ وتعلم في ألمانيا، وربما لم يزر سوريا إلا مرات قليلة، إن وجد. هؤلاء الشباب يواجهون اليوم تحديًا مزدوجًا: الحفاظ على هويتهم الثقافية بينما يحاولون الاندماج في المجتمع الألماني، في ظل نقاشات سياسية تجعلهم يشعرون بعدم الأمان على مستقبلهم.
خطر فقدان وضع الحماية
يدعو بعض السياسيين الألمان، مثل رئيس كتلة الاتحاد المسيحي الديمقراطي في البرلمان ينس شبان، السوريين للعودة إلى وطنهم والمساهمة في إعادة الإعمار، معتبرين ذلك "واجبًا وطنيًا" على غرار إعادة بناء ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية.
لكن العودة العملية ليست بالأمر البسيط؛ فالسفر إلى سوريا قد يؤدي إلى فقدان وضع الحماية في ألمانيا، حسب ما تؤكد السلطات الألمانية، التي تمنع إجراء زيارات استطلاعية، مشيرة إلى إمكانية الاطلاع على الأوضاع عبر الهواتف الذكية فقط. هذا التعقيد القانوني يزيد من التوتر لدى السوريين ويجعل أي قرار بالعودة محفوفًا بالمخاطر، خصوصًا بالنسبة للعائلات والأطفال والمرضى.
واقع الجالية السورية في ألمانيا
يبلغ عدد السوريين في ألمانيا نحو 948 ألف شخص، بينهم 667 ألفًا يحملون إقامة مؤقتة، بينما عدد المطلوبين للمغادرة لا يتجاوز 10 آلاف، أي أقل من 1% من الجالية. ومنذ بداية العام، يمكن للاجئين السوريين الاستفادة من برنامج دعم العودة الطوعية، الذي يغطي تكاليف السفر والمساعدة المالية الأولية، إلا أن عدد المستفيدين من البرنامج لم يتجاوز 2900 شخص فقط، ما يعكس تردّد الجالية تجاه العودة المباشرة.
العودة الطوعية ليست مجرد قرار شخصي، بل تتعلق بمخاطر متعددة تشمل فقدان الوظائف، انقطاع التعليم، دمار المنازل، والوضع الأمني غير المستقر في سوريا، فضلاً عن التحديات الاقتصادية. كثيرون يرون أن العودة قد تعني "قطيعة جديدة" في حياتهم بعد سنوات من بناء مستقبل مستقر في ألمانيا.
المجتمع المدني السوري بين النشاط والتهديد
رغم هذه الضغوط، يظل المجتمع المدني السوري نشطًا في ألمانيا، حيث يشارك في برامج تعليمية ومبادرات اجتماعية وثقافية. ومع ذلك، يواجه أفراد الجالية تأثيرات مباشرة من النقاش السياسي حول العودة. هذا الجدل يزرع شعورًا بعدم الانتماء لدى الكثيرين، رغم اندماجهم الكامل في المجتمع الألماني.
أحد الناشطين يوضح: "نشارك في العمل المدني، ندرس، نعمل، ندفع الضرائب، ومع ذلك نشعر أن مجتمعنا السياسي لا يقدر هذا الجهد". هذه التجارب الفردية تتحول إلى إحساس جماعي بعدم اليقين، يؤثر على الأطفال والشباب وعلى مستقبل التفاعل المجتمعي للسوريين في ألمانيا.
التجنيس كأداة تمكين
ترى الباحثة كارولين بوب أن التجنيس الألماني يمكن أن يكون أداة حاسمة لتمكين السوريين من العودة الطوعية والمساهمة في إعادة إعمار بلادهم دون فقدان حقوقهم في ألمانيا. ومع ذلك، فإن الحكومة الجديدة تسعى لتشديد شروط التجنيس، بما في ذلك إلغاء إمكانية التجنيس السريع بعد ثلاث سنوات، وتقليص الاستثناءات للجنسية المزدوجة، مما يزيد من القلق بشأن مستقبل العودة.
تؤكد بوب أن الجنسية الألمانية توفر حماية قانونية وأمانًا يمكن السوريين من السفر والمساهمة بشكل مؤقت أو دائم في بلدهم الأصلي، وهو عنصر مهم للارتباط القانوني والاجتماعي بكلا البلدين.
النقاش السياسي حول عودة السوريين إلى وطنهم لم يعد مجرد حوار برلماني أو إعلامي؛ بل أصبح قضية يومية تؤثر في حياة الأطفال والشباب والعائلات، وتعيد تشكيل الهوية والانتماء داخل المجتمع الألماني. من الواضح أن أي خطة للعودة تحتاج إلى تقييم شامل، مراعاة الظروف المعيشية والأمنية في سوريا، وحماية حقوق السوريين في بلاد اللجوء، مع التركيز على العودة الطوعية المستدامة والدعم القانوني والاجتماعي.
السوريون في ألمانيا يعيشون اليوم معضلة مزدوجة: الرغبة في المساهمة في وطنهم الأصلي، مقابل الحفاظ على الأمان والاستقرار الذي وجدوه في بلد اللجوء.