أثار دخول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى الجنوب السوري في 19 تشرين الثاني موجة واسعة من ردود الفعل، وسط استياء شعبي في سوريا على وسائل التواصل، واعتبار رسمي أن الخطوة تمثل انتهاكًا لسيادة البلاد.
كما توالت الإدانات على المستوى الدولي، إذ وصفت دول عربية وغربية الجولة بأنها تصعيد خطير، وانتهاكًا للقانون الدولي، وتهديدًا لأمن المنطقة، بينما اعتبرتها جهات أممية خطوة مقلقة تزيد التوتر على الحدود.
تبرير إسرائيلي وخشية من تكرار سيناريو “7 أكتوبر”
قال رئيس وزراء الاحتلال في تصريحات صحفية إن زيارته للمنطقة الحدودية جاءت للتأكد من جاهزية قواته لمنع تكرار هجوم مشابه لأحداث 7 تشرين الأول عبر الحدود السورية، معتبرًا أن لسوريا مصلحة أكبر من إسرائيل في التوصل إلى تفاهمات أمنية مستقبلية.
وأضاف أن حكومته لن تسمح بوجود أي تهديد في جنوب غربي سوريا، مؤكدًا أن تل أبيب “مصممة على حماية حلفائها في السويداء وجبل العرب”، بحسب صياغته.
موقف دمشق وردّها الدبلوماسي
اعتبرت الجهات الرسمية في سوريا أنّ دخول نتنياهو إلى الجنوب يأتي ضمن مساعٍ لفرض أمر واقع يتعارض مع القرارات الدولية، ويهدف إلى تكريس الاحتلال وتوسيعه.
وشددت على أن جميع الإجراءات الإسرائيلية في المنطقة “باطلة ولا تحمل أي شرعية”، مؤكدة تمسّكها بضرورة انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي السورية، وداعية المجتمع الدولي لتحمّل مسؤولياته في وقف “الاعتداءات” وإلزام إسرائيل بالعودة إلى اتفاقية فضّ الاشتباك لعام 1974.
رسائل سياسية موجّهة لواشنطن ودمشق
رأى محللون أن زيارة نتنياهو تحمل رسالة مزدوجة لكل من القيادة السورية والإدارة الأمريكية، مفادها أن إسرائيل لن تتراجع عن مطالبها الأمنية في الجنوب، خصوصًا بعد الانفتاح الأمريكي الأخير تجاه دمشق وزيارة الرئيس السوري إلى واشنطن.
وتُرجمت هذه الرسالة بمحاولة إظهار إسرائيل كطرف غير مستعد للمشاركة في أي اتفاقات أمنية لا تراعي شروطها، مع الإشارة إلى امتعاض تل أبيب من التقارب الأمريكي–السوري الذي بدا واضحًا خلال اللقاءات الرسمية الأخيرة.
وأشار مراقبون إلى أن إسرائيل تسعى للضغط على دمشق للقبول باتفاق أمني يشمل إقامة “ممر إنساني” وتفاهمات أخرى مرتبطة بالحدود، في مقابل وقف التصعيد.
قراءة في الموقف السوري – الإسرائيلي
يرى متخصصون في الشأن السوري أن دمشق غير مستعدة للتنازل عن أي جزء من الأراضي السورية، وأن التصعيد القائم لن يستمر طويلًا بسبب رغبة واشنطن في إنهاء الصراعات المفتوحة في المنطقة، والتوجّه نحو تحالفات جديدة تواجه النفوذ الصيني مستقبلًا.
من جهة أخرى، نقلت وسائل إعلام إسرائيلية أن نتنياهو انتقد القيادة السورية خلال اجتماعات داخلية، واصفًا موقفها بأنه “متشدد”، واعتبر أن دمشق تحاول إدخال قوات روسية إلى الحدود.
وتشير تحليلات إلى أن روسيا عرضت على سوريا عودة قواتها للضبط الحدودي كقوة فصل، إلا أن دمشق لم تحسم موقفها بعد.
هل تعيد موسكو حضورها جنوبًا؟
تداولت مصادر سورية إمكانية إدخال الوجود الروسي في أي تفاهم أمني بين دمشق وتل أبيب.
هذا الاحتمال يُطرح بقوة في ظل الاتصالات المتزايدة بين موسكو وتل أبيب خلال الأشهر الأخيرة، وفي ظل الرغبة الروسية في لعب دور يحدّ من التصعيد ويضعها في قلب الترتيبات الجديدة جنوبي سوريا.
زيارة نتنياهو… استعراض قوة أم خطوة استباقية؟
اعتبر باحثون سياسيون أن زيارته للجنوب السوري جاءت تعبيرًا عن انزعاج إسرائيل من الانفتاح الغربي والأمريكي المتسارع تجاه دمشق، إذ ترى تل أبيب أن أي خطوة باتجاه إعادة تأهيل الحكم السوري يجب أن تمرّ أولًا عبر ضمان مصالحها الأمنية في الجولان والجنوب.
كما يرى محللون أن إسرائيل تسعى لتحقيق مكاسب جيوسياسية مستفيدة من هشاشة الوضع الداخلي السوري، ومن استمرار الانقسام السياسي والاجتماعي.
ويُرجّح أن تتحول سياسة إسرائيل العسكرية في سوريا من الضربات الجوية الواسعة إلى عمليات نوعية أكثر انتقائية: كالهجمات بالمسيّرات، والعمليات الخاصة، وتفعيل الشبكات الاستخباراتية.
تثبيت واقع جديد في الجنوب
يقول متابعون إن الزيارة تحمل رسالة واضحة بأن إسرائيل تسعى لترسيخ واقع ميداني جديد في الجنوب السوري، وإظهار أنها صاحبة اليد العليا في المنطقة العازلة، وأن انسحابها منها غير مطروح حاليًا.
وتعزز هذه الرؤية الخطوات الإسرائيلية التي تسعى لفرض منطقة أمنية غير معلنة قد يصل عمقها إلى 50 كيلومترًا داخل الأراضي السورية، بهدف منع أي تمركز عسكري معادٍ.
دمشق… رد محدود وخيارات ضيقة
يرى محللون أن الرد السوري كان محدودًا مقارنة بحدة الخطوة الإسرائيلية، واقتصر على وصف الزيارة بأنها “غير شرعية”.
ويشيرون إلى أن دمشق لا تملك خيارات عسكرية فعلية بسبب اختلال ميزان القوة، وأن الرد الميداني مستبعد تمامًا نظرًا لاحتمال انزلاق الأمور إلى مواجهة واسعة.
وتبقى الخيارات المتاحة في إطار الرد الدبلوماسي، أو بناء أوراق ضغط طويلة الأمد عبر الحلفاء.
ويرى خبراء أن دخول القوات الروسية –إن تمّ الاتفاق عليه– قد يغيّر قواعد اللعبة في الجنوب، ويسهم في الحدّ من الخروقات الإسرائيلية المستمرة.