تتزايد التقديرات داخل دوائر صنع القرار في إسرائيل بشأن احتمال شن عملية عسكرية جديدة في قطاع غزة، وفق ما نقلته هيئة البث الإسرائيلية عن مصادر سياسية مطلعة. وتشير المعطيات التي طُرحت في اجتماع الكابينت الأخير إلى أن التطورات الميدانية داخل القطاع، وتعاظم قدرات حركة حماس، قد يجعلان أي تحرك عسكري مستقبلي خياراً أقرب إلى “اللا مفر”، بحسب تقديرات بعض الوزراء.
وخلال الجلسة، استعرضت الأجهزة الأمنية تقارير قالت إنها تُظهر أن حماس ما زالت تعزز قوتها وترفض التخلي عن سلاحها، ما دفع مسؤولاً سياسياً رفيعاً إلى القول إن إسرائيل ستتجه إلى خطوات ميدانية إذا فشلت الجهود الأميركية في إعداد آلية تضمن نزع سلاح الحركة.
ورغم هذه التقديرات المتصاعدة، تشير أوساط إسرائيلية إلى أن اتفاق وقف إطلاق النار ما يزال قائماً وأن انهياره ليس وشيكاً، مع تأكيد أن حماس لا تسعى إلى التحلل من التفاهمات الحالية، بل تحث الوسطاء على الضغط على إسرائيل للالتزام الكامل بما تم الاتفاق عليه. وتضيف المصادر أن الحركة ترى مصلحة لها في الوصول إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، مع استعداد وفد منها للتوجه إلى القاهرة قريباً لبحث التطورات.
الاتفاق الذي دخل حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي، أنهى حرباً دامية بدأتها إسرائيل في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وأسفرت عن أكثر من 69 ألف شهيد ونحو 170 ألف جريح، إضافة إلى دمار واسع طاول ما يقارب 90% من البنى التحتية المدنية في غزة. ورغم ذلك، ما زالت إسرائيل تنفذ خروقات متكررة أدت إلى سقوط المزيد من الضحايا، وتفرض قيوداً كبيرة على إدخال المساعدات الإنسانية.
وخلال الأيام الأخيرة، تصاعد التوتر بعد تنفيذ الجيش الإسرائيلي عمليات توسع ميداني وشن غارات جديدة، اعتبرتها حركة حماس خرقاً واضحاً للاتفاق. ووفق الحركة، فإن استمرار التقدم الإسرائيلي وإزالة “الخط الأصفر” في عدة محاور شرق القطاع تسبب بنزوح جماعي وتغييرات جوهرية في خطوط الانسحاب المتفق عليها، ما يجعل الوسطاء أمام مسؤولية مباشرة للتدخل ووقف هذه التجاوزات.
حماس أكدت في بياناتها أن إسرائيل “تختلق الذرائع” للعودة إلى الحرب، ونفت ما نشرته وسائل إعلام إسرائيلية عن إبلاغ الحركة للمبعوث الأميركي بانتهاء الاتفاق. وتُحمّل الحركة الحكومة الإسرائيلية مسؤولية الاستمرار في التصعيد واستهداف المدنيين، مطالبة الإدارة الأميركية بالوفاء بتعهداتها وضمان التزام إسرائيل ببنود الاتفاق.
ودعت وزارة الخارجية إلى تحرك دولي عاجل لوقف “المجازر الإسرائيلية” المستمرة، معتبرة أن التصعيد الأخير يُعد تحدياً للجهود الرامية إلى تثبيت السلام، ودليلاً على أن الحكومة الإسرائيلية تعمل على تقويض أي فرصة لتسوية سياسية. كما طالبت الوزارة مجلس الأمن الدولي بفرض تنفيذ القرار 2803 الخاص بإنهاء الحرب على غزة.
وفي ظل هذا التصعيد، نقلت مصادر طبية أن الغارات الإسرائيلية الأخيرة أسفرت عن استشهاد 23 فلسطينياً على الأقل خلال يوم واحد، ليرتفع إجمالي عدد الشهداء منذ بدايات اتفاق وقف النار إلى 340 شهيداً، في وقت تواصل إسرائيل تبرير هذا القصف بالادعاء أن حماس أرسلت مسلحاً لتنفيذ هجوم ضد قواتها داخل القطاع.
وذكرت وسائل إعلام إسرائيلية أن إحدى الغارات استهدفت مسؤولاً في قسم التسلّح بكتائب القسام في حي الرمال، وأن العملية جرت بالتنسيق مع غرفة المراقبة الأميركية في كريات غات جنوب تل أبيب، وهي الغرفة التي تتابع تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار.
وبين تبادل الاتهامات والضغوط الدولية ومحاولات الوسطاء منع الانهيار، يبقى مصير الاتفاق هشّاً، بينما تتواصل المخاوف من أن أي خطأ أو تصعيد غير محسوب قد يدفع المنطقة مجدداً نحو حرب واسعة جديدة.