تونس على صفيح ساخن… موجة غضب تتوسع في الشارع

2025.11.22 - 10:00
Facebook Share
طباعة

 تشهد تونس هذه الأيام حالة احتقان متصاعدة، إذ تتزامن سلسلة من التحركات الاحتجاجية في مختلف المحافظات، في مشهد يعكس حالة غضب اجتماعي وسياسي تتنامى ضد السلطة القائمة منذ عام 2019. ومع اقتراب موعد المظاهرة المنتظرة غداً السبت وسط العاصمة تحت شعار "ضد الظلم"، يخيّم الترقب على المشهد العام، خصوصاً أن المسيرة تحمل مطالب سياسية واضحة تتعلق بوقف المحاكمات ذات الطابع السياسي والإفراج عن الموقوفين في قضايا الرأي.

في ظل هذا الوضع، تعيش محافظة صفاقس منذ أيام حالة من التوتر بسبب الإضرابات الواسعة التي نفذها العمال والنقابيون في المؤسسات الاقتصادية الخاصة للمطالبة بزيادة الأجور وتحسين ظروف العمل. وفي الجنوب، وتحديداً في محافظة قابس، لا تزال الاحتجاجات مستمرة بين الأهالي المطالبين بتفكيك الوحدات الكيميائية الملوِّثة التابعة للمجمع الكيميائي، والتي تسببت في حالات اختناق وتسمم، وبين قوات الأمن المنتشرة بكثافة في المنطقة.

في العاصمة، برز هذا الأسبوع تحرك لافت للأطباء الشبان الذين احتشدوا بأعداد كبيرة أمام مبنى البرلمان يوم الأربعاء 19 نوفمبر/تشرين الثاني، بالتزامن مع مناقشة ميزانية وزارة الصحة لعام 2026. وقد ارتدى المئات منهم الزي الأبيض ورفعوا شعارات غاضبة احتجاجاً على ما اعتبروه تنكراً من وزارة الصحة لاتفاق كان قد وقع معهم في الثالث من يوليو/تموز الماضي، ويتعلق بمستحقاتهم المالية وتحسين ظروف العمل.

يشير ممثلو الأطباء الشبان إلى أن تحركهم ليس وليد اللحظة، بل هو نتيجة تراكمات طويلة من الوعود غير المنفذة. ويؤكدون أن التراجع عن الاتفاق يفقد الدولة مصداقيتها ويجعلها عاجزة عن مطالبة المواطنين باحترام القانون طالما أنها لا تحترم تعهداتها. كما يعتبرون أن البرلمان يتحمل جزءاً من المسؤولية لعدم إلزامه الحكومة بتنفيذ الاتفاقات المبرمة في قطاع حيوي مثل الصحة. ويكشف الأطباء أن بعض زملائهم لم يتلقوا أجورهم منذ خمس سنوات، وهو ما يعكس حجم الأزمة التي تعيشها المنظومة الصحية.

ويرى المحتجون أن وجود الأطباء الشبان في الشارع دليل على أن القطاع لا يزال ينبض بالحياة، لكن البديل عن الاحتجاج هو الهجرة، ما يهدد مستقبل القطاع الصحي العمومي. ويعتبرون أن الأزمة تجاوزت المطالب المهنية لتطرح سؤالاً حول قدرة الدولة على الحفاظ على كفاءاتها وضمان حقوق العاملين فيها.

وفي سياق متوتر آخر، تجمع مئات الصحفيين أمس أمام مبنى الحكومة في العاصمة، في تحرك احتجاجي جديد رفعوا خلاله شعارات تطالب بوقف التضييق على العمل الصحفي وإطلاق سراح الإعلاميين الموقوفين بموجب المرسوم 54، إضافة إلى المطالبة بإصدار البطاقة المهنية التي امتنعت السلطات عن منحها هذا العام، في خطوة وصفت بأنها غير مسبوقة.

ينقل الصحفيون المشاركون صورة قاتمة عن واقع حرية الصحافة حالياً، ويؤكدون أن التضييق لم يعد حالة عرضية، بل اتخذ شكل سياسة ممنهجة تستهدف الصحفيين والمؤسسات الإعلامية معاً. ويرون أن الامتناع عن إصدار البطاقة المهنية يضع الصحفيين في مواجهة مخاطر التوقيف والملاحقة لمجرد قيامهم بعملهم. كما يعتبرون أن تعطيل إصلاح المؤسسات الإعلامية وتحويلها إلى أدوات دعاية يمثّل تهديداً وجودياً لمهنة الصحافة ولمبدأ استقلال الإعلام.

وفي المشهد السياسي العام، تنتظر العاصمة غداً السبت واحدة من أبرز المسيرات التي ينظمها طيف واسع من القوى المعارضة، احتجاجاً على ما تصفه بمحاكمات سياسية وعلى ملاحقة الأصوات النقدية. ويشير معارضون إلى أن توسع دائرة الاحتجاج يعود إلى غياب الحوار بين السلطة ومكونات المجتمع، إذ لم يعد هناك مجال للتفاوض أو النقاش، ما دفع الشارع إلى أن يكون المنفذ الوحيد للتعبير.

ويرى ناشطون سياسيون أن التونسيين باتوا مقتنعين بفشل النظام الحالي في تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، بعد أربع سنوات من إدارة فردية لم تنتج سوى مزيد من التراجع في مختلف المجالات. كما يعتبرون أن المسيرة المرتقبة تهدف أيضاً إلى رفض ما يسمونه محاولات التضييق على المجتمع المدني واستعمال القضاء لاستهداف الخصوم السياسيين، وهو ما ساهم في خلق حالة من الغضب الشعبي دفعت المواطنين إلى النزول إلى الشارع مرة أخرى.

بهذا المشهد المتداخل بين الاحتقان الاجتماعي والغضب السياسي، تبدو تونس مقبلة على مرحلة شديدة الحساسية، في ظل غياب بوادر للحوار، واستمرار اتساع رقعة الاحتجاجات من قطاع لآخر ومن محافظة لأخرى.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 3 + 7